رسائل الـ ( SMS) في الفضائيات العربي :أمراض نفسية.. وحرمان جنسي!!


أرباحها عشرات الملايين من الدولارات


       


·       د.فاطمة الصايغ:
-         الرسائل القصيرة ..وسيلة لاختراع كلمات جديدة       
     والتلاعب بها..
·       د. سليمان صالح:
-         ما نراه في الرسائل .. تفريغ جنسي شفاهي،
    ودغدغة مشاعر
·       د. أسامة الموسى:
- أكثر الأسر فارغة ، الأكل لديهم أهم من التربية، وهمهم المظاهر وملء الثلاجات باللحوم والحلويات، وجلب الخادمات والحاضنات والطباخين ..
·       رامي كلاوي:
-         تعكس واقعا متخلفا تعيشه مجتمعاتنا،وتعدّ تجارة باطلة، الرابح فيها طرف واحد هو الشركات

تحقيق / محمد غبريس

" يا ناس أنا منحوس بالحب!! ما أعرف السبب؟؟" ،" إهداء لأحلى فطفوطة "، " مساء الحب يا دنيا الحب" ، " عمري 26 سنة عايز أتعرف على بنت مصرية" ، " أنا محمد أحب أتعرف على فتاة جادة في الارتباط، أنا جاد جدا ومش متزوج" ، " أنا عاوز ست مطلقة" ، " أنا لوحدي في البيت أنتظرك.. الخ " هذا نموذج بسيط من الرسائل القصيرة التي تظهر في أسفل شاشات الفضائيات العربية دون توقف ( 24/24 ساعة) في كافة البرامج سواء في برنامج فني أو سياسي أو اقتصادي أو ثقافي.. هي ظاهرة خطيرة جدا بحسب الخبراء والمهتمين والباحثين، يقف وراءها أصحاب المحطات الفضائية وشركات الموبايل، بلا رقابة تلفزيونية أو حكومية و للأسف بلا رقابة أسرية، فالشباب المراهقون الذين يتخبطون في إشباع غرائزهم وتنفيس كبتهم عبر هذه الرسائل هم ضحايا هذه القنوات التي تعتبر المسألة كلها مجرد مسألة تجارية رابحة 100%..
للرسائل القصيرة عالم غريب فيه أحلام محطمة على عتبات الحرمان والاحباط، وطموحات ليست في مكانها، له لغته الخاصة التي هي خليط من العامية العربية والفرنسية والانجليزية إضافة إلى الرموز المستوردة، أما مضمون الرسائل فحدث ولا حرج، مثير وعجيب وخيالي، ينطوي على كلمات وإيحاءات جنسية وتعبيرات واضحة في مديح الجسد والحبيبة،  ناهيك عن النكات وطلبات الزواج والتهريج والمسخرة والابتزال ..
هو عالم تنتمي إليه الشخصيات المضادة للمجتمع- كما يصفها علماء النفس -  لا حدود فيه للكلام كما لا انضباط للمعنى والأخلاق، مليء بالمواعيد الباطلة والكذب والتهريج، وفارغ من أي خجل أو حياء..الدخول إليه سهل، ومكلف في الوقت نفسه.. هذا العالم الذي يحمل الويلات والمآسي لمستقبلنا وللأجيال القادمة لا يد للرقابة فيه ولا للممانعة، متى كانت الرقابة في العالم العربي لصالح بناء الوطن السليم؟ ومتى كانت الممانعة لأي سيل جارف ينزلق به الشباب إلى حيث لا يعلمون؟؟
أسئلة كثيرة تدور في أذهاننا حول ظاهرة الرسائل القصيرة، حملنا بعضها إلى عدد من المختصين والمهتمين وسألنا:كيف تصفون انتشار ظاهرة الرسائل القصيرة على شاشات القنوات الفضائية؟وكيف تقرؤون مضمون هذه الرسائل؟لماذا يلجأ الشباب إلى هذا" العبث "؟أين دور الرقابة التلفزيونية ؟ وأين الأهل تجاه كل ما يحصل؟هل هذه الظاهرة مجرد حرية تعبير ؟ أما المسألة كلها مجرد تجارة رابحة تستفيد منها شركات الاتصالات و القنوات الفضائية؟

وسيلة للاستغلال والربح

تقول د. فاطمة الصايغ، الأستاذة في جامعة الإمارات: منذ أن تغيرت أنماط وسائل الإعلام وبروز الثورة التكنولوجية الفضائية تغير مفهوم وتأثير الكلمة وبرزت ظواهر جديدة رمت بتأثيراتها على وظيفة وعمل وسائل الإعلام. من أهم الظواهر التي انتشرت على شاشات قنواتنا الفضائية هي ظاهرة الرسائل النصية القصيرة والتي تظهر في أسفل الشاشات وتخترق خصوصياتنا اليومية أحيانا بكلماتها غير اللائقة وأحيانا تلك التي تخدش الحياء.
وتشير الدكتور فاطمة إلى  أن القائمين على تلك القنوات قد استغلوا عنصر الإبهار والإثارة كوسيلة لجذب المشاهد واستغلاله لأغراض تجارية، متوقفة عند قول أحد القائمين على تلك القنوات أنهم يحققون في السنة 25 مليون درهم من وراء تلك الرسائل القصيرة وما يصاحبها من إعلانات وغيرها من وسائل الجذب. 
تتابع د. فاطمة: في هذا الزمان احتلت الكلمة البارزة على شاشات التلفزيون منزلة أعلى من تلك المنشورة في الإعلام المقروء أو الكلمة المسموعة..وتضيف : لقد انتشرت تلك الرسائل حتى أصبحت ظاهرة في جميع القنوات التجارية والأهلية جميعها حتى أصبحت مصدر دخل ثابت لتلك القنوات. ويعتبر الشباب هم الممول الأول لتلك المصادر كونهم المستهلك لها وطبيعي أيضا أن تحافظ تلك القنوات على اهتمام تلك الشريحة عن طريق زيادة المساحة والزمن المخصصين لتلك الرسائل وعن طريق بث كل ما يصلها من الشباب خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار عنصر المنافسة بين القنوات على اجتذاب شريحة الشباب.
من ناحية أخرى – والكلام أيضا للدكتورة فاطمة - يلجأ الشباب لرسائل النصية كوسيلة للتخاطب بينهم وبين بعضهم بعض خصوصا بين الذكور والإناث إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة مجتمعنا المحافظة وصعوبة لقاء الجنسين في الأماكن العامة. كما يلجأ لها المراهقون والشباب كوسيلة لتمضية  الوقت والتسلية ولأن الشباب يمضي أوقات طويلة مع وسائل التقنية كالتلفاز والانترنت فهم بالتالي المصدر الأساس لتلك الرسائل كما يعتبرها الشباب وسيلة للتعبير عما يجول في أذهانهم وكوسيلة أيضا للإبداع باختراع الكلمات والتلاعب بها..
وحول دور الرقابة تقول د. فاطمة الصايغ : تعتبر أجهزة الرقابة الرسمية أن دورها لا ينطبق على تلك الرسائل التي تدخل ضمن الخريطة الرقابية لكل قناة مرخصة. فكل قناة مرخصة تأخذ على نفسها قبل أخذها للترخيص أن تحترم خصوصية البلد وأن تلتزم باحترام العادات والتقاليد. ولذا تحجم الرقابة عن ملاحقة كل تلك القنوات ومطالبتها باحترام تعهداتها. ومن هنا يأتي دور الرقابة الفردية المتمثلة في الأسرة والمجتمع . فالأسرة قد تغاضت عن دورها في الرقابة لصالح المدرسة والمدرسة تنازلت عن حق التربية لصالح الأسرة واقتصرت على دورها التعليمي ومن هنا جاء ذلك الخلط واللبس..
تختتم د. فاطمة كلامها بتوصيف تلك الظاهرة على أنها مزيج من التجارة الرابحة ووسيلة لجذب الشباب واستغلال تلك الرغبة الموجودة لديهم في اختراع كل ما هو مثير وغير اعتيادي وهذه الرغبة استفادت منها الشركات التجارية القائمة على تلك القنوات لترويج بضائعها الفنية والترويج لفكرها الاستهلاكي القيمي..

حرية أم  ابتذال

من جانبه يقول د.صالح سليمان من جامعة الإمارات، قسم الاجتماع: أنا من المهتمين بهذه الظاهرة الخطيرة، والمسألة كلها - كما أحاول أن أقدمها للطلبة – هي مسألة تجارية أولا وأخيرا، بل هي ظاهرة اقتصادية من نوع آخر مغلفة بطرق ثقافية واجتماعية.. تصور أن إحدى القنوات العربية تكسب 20 مليون دولار سنويا من هذه الرسائل، هو رقم مخيف، وما يرسله الشباب من رسائل ومسجات هو " تهريج في تهريج"..
يضيف: هذه الظاهرة كما يدعون أنها للتواصل والتلاقي والثقافة الجديدة، وأنا طبعا أشك بذلك وليس لها علاقة بأي تواصل لا من قريب ولا من بعيد..وكالعادة في العالم العربي تركز القنوات الفضائية وتشجع على موضوع الحب ( أنا مطلقة ... أنا أحب أبن خالي..) والشيء الغريب أن كلما تدهور الوضع في العالم العربي كلما زاد التطرق إلى موضوع الحب..
كما يشير د. سليمان خلال حديثه إلى مسألة جدّ مهمة ترتبط  بزمن التحولات والعولمة وهي المنظومة الكونية التي تجمعنا كلنا، من خلال ثقافة عامة تضم كل الناس، ويعلل د. سليمان لجوء الشباب  إلى استخدام الرسائل القصيرة لأسباب مجتمعية، ويقول: هنا لا نريد أن نظلم الشباب كثيرا – لأنهم  نتاج ما يحدث في المجتمعات العربية، هناك عامل البطالة وعدم المشاركة السياسية، كما لا توجد حرية ولا مناقشة داخل الأسرة الواحدة، وما نراه في الرسائل هو تفريغ جنسي شفاهي، ودغدغة مشاعر، وتواصل حب..أنا مع تطبيق الرقابة إلى أضيق درجة ، يجب أن لا نشدد على الرقابة كثيرا حتى لا نعتبر ضعفاء.
يتابع د. سليمان كلامه قائلا: ليس لدينا قنوات فضائية جيدة ، لو كانت موجودة لالتجأ الشباب إليها..إن القنوات تجلب مجموعة من المذيعات الجميلات لشد وجذب المشاهد لاستخدام الموبايل..أما الحكومات العربية فهي ضعيفة أمام القنوات العربية، هناك رقابة على السياسة، ولكن كل شيء مسموح، والسلطة لديها هدف من اتجاه الشباب إلى هذه الرسائل لتشغلهم عن الأمور السياسية..
هذه ليست حرية تعبير – يختتم د. سليمان - إنما هي حرية اسفاف وابتذال ..الأهل هم المعنيون أولا وأخيرا في هذا الموضوع ، غياب هذا الدور يعود إلى الظروف الاقتصادية الصعبة والأعباء والمشكلات الاجتماعية والمعاناة .. أو من ناحية أخرى بسبب الغنى والترف والرغد والجاه..

عدم الخجل..
أما د. أسامة الموسى ، اخصائي نفسي في سجون دبي، فيعرّف ظاهرة الرسائل القصيرة بأنها عملية تفريغ لطاقة نفسية وجنسية للذكور والإناث..كذلك عملية تعبير عما يجيش في نفوس الشباب..ويتوقف د. أسامة عند الكلام البذيء وغير الأخلاقي وغير الأنيق الذي تحتويه الرسائل فيحدده بأنه عملية نفسية لشيء اسمه في علم النفس " سيكوبتيك " عدم الخجل وعدم الحياء..الشخصية مضادة للمجتمع ، والذي يحب المجتمع لا يتكلم بهذه اللغة السيئة..
وردا على سؤال عن اسباب الظارهة يجيب د. أسامة قائلا: هناك ضغوط خارجية وداخلية سواء في الأسرة أو في محيط العمل أو المجتمع يجعل الشباب يتصرفون بهذه الأشياء، لذلك هناك شباب كثيرون يرسلون الرسائل القصيرة ليست موجهة لأشخاص بعينهم ، وإنما للفت الانتباه وللتحريض ..هذا مرض نفسي موجود عند الشباب وهو "الحرمان" .. الحرمان من الحنان داخل البيت والأسرة والمجتمع ..
يضيف د. أسامة الموسى: تعكس رسائل هؤلاء الشباب والمراهقين عما يدور في عقولهم ونفوسهم ، فهم أصحاب علاقات جنسية، ولديهم انحرافات سلوكية.. بالنسبة إلى رسائل طلبات الزواج هذا كمين محكم.. وهل أصبح الزواج ينطلق من الرسائل على شاشات الفضائيات..
في ختام حديثه يطالب د. أسامة الأهل بمتابعة أولادهم والانتباه إليهم، لأن الهدم أسهل من البناء، ويقول: كنا دائما نعوّل على رقابة الأهل لأولادهم ، وكثيرا من الأهل الذين التقيتهم، كانوا يقولون لي : يجب على الأولاد أن يتعلموا من أخطائهم، ومن المجتمع، ويجب أن يجربوا كل شيء....وكنت أقول لهم: قبل أن تسألوا عن مركز الشرطة وعن المجتمع أسألوا عن البيت والأسرة والتربية الصالحة..فأكثر الأسر اليوم فارغة من الداخل، الأكل لديهم أهم من التربية، وهمهم المظاهر وملء الثلاجات باللحوم والحلويات، وجلب الخادمات والحاضنات والطباخين ..

موضة .. وستنتهي

بالنسبة إلى رامي لطفي كلاوي، باحث في الشؤون الإسلامية فيرى المسألة من زاوية أخرى ويقول: تعبّر هذه الرسائل عن شخصية مرسليها ، وهي برأيي تعكس واقعاً متخلفاً تعيشه مجتمعاتنا ، فالرسائل في معظمها لا تحمل مضموناً يتجاوز معنى " الدردشة " أو التقليد ، بعبارة أخرى هي " موضة" وستنتهي كما انتهت غيرها من الموضات، ليتحول الناس إلى موضة أخرى تشغلهم وتلهيهم وهكذا باستمرار يجد هؤلاء الفارغون ما يسليهم دونما فائدة تذكر . هذا أقل ما يقال في حق هذه الظاهرة ومثيلاتها من الظواهر الكثيرة التي تشوّه واقعنا وحياتنا بدلاً من أن تقدم شيئاً مفيداً ، بل إنها في الحقيقة تسبب ضرراً تربوياً واجتماعياً فادحاً بلا شك..
وعن أسباب الظاهرة يقول  كلاوي: يلجأ الشباب إليها لأسباب عديدة منها الفراغ والتقليد وقلة العقل . فكثير من شبابنا يصل إلى سن الرشد ولكنه لا يتحقق بالرشد الفعلي ، ويتجاوز سن التكليف وهو لا يزال بعقلية الطفل الجاهل الذي لا يعرف أين مصلحته  ..ومن الأسباب أيضاً توفر هذه المنتجات والمال في يد من لا يحسن التصرف به ، وقد كان من الأجدر بهم إنفاقه على الفقراء أو على الهوايات المفيدة كالمطالعة والرياضة أو المساهمة في تمويل المشاريع الخيرية .. وصدق من قال (الشباب والفراغ .. مفسدة للمرء أي مفسدة) وقال أحد الحكماء (إن من العصمة ألا تجد ) .. فتوفر هذه المنتجات مع القدرة المالية على تعاطيها يسهل رواجها بين الناس..
بالنسبة إلى الرقابة يتأسف رامي كلاوي قائلا:  لا نجد رقابة جدية تؤدي دورها الصحيح في مجتمعاتنا، ونحن نعاني مظاهر سلبية عديدة في مجالات مختلفة ولا نرى رقابة فعالة تعمل عملها والأهل في بعض الأحيان ينجحون في مهمتهم ، ولكن في الغالب لا يتمكنون من مواجهة السيل الجارف من العادات والموضات التي تغزو عقول أبنائهم من خلال وسائل الإعلام وغيرها . بل إنهم ينزلقون هم أنفسهم في التيار الذي يأخذهم مع أولادهم إلى حيث لا يعلمون..
حول إذا كانت هذه الظاهرة مجرد حرية تعبير يتساءل كلاوي: حرية ماذا ؟ حرية الكلام الفارغ والسخيف ؟ هذا لا يليق أن يسمى حرية ؟ هذه تجارة باطلة، الرابح فيها طرف واحد هو الشركات ، والجمهور هو الخاسر دائما ، إذ يخسر وقته وماله وكل شيء ... التجارة يكون فيها فائدة للطرفين ، واحد يأخذ سلعة والآخر يربح مالاً ، وهنا الجمهور لا يربح شيئاً إلا أنه فوق ذلك يضيع وقته وماله ..


تعليقات