الخطاط تاج السر حسن






أحد مؤسسي الحركة التشكيليّة في الإمارات
الخطاط تاج السر حسن:
التجديد والابتكار .. مسؤولية فنية

·       التجديد والابتكار والإضافة مسؤولية فنية، وعبرها تتجدد حيوية التشكيل بالخط العربي.
·       تشكلت تجربتي الفنية عبر القراءة التأملية للنصوص الدينية والأدبية للاحتفاء بها في هيئة صورة وكنوع من التناص التأويلي البصري.
·       رؤيتي الفنية..محورها الابتكار وإضفاء حالة معاصرة من التجديد البصري للتكوين بالخط واللون.
·       الدور المطلوب من الخطاط المعاصر..ولوج عالم الجرافيك الجامع لفنون الحروف والصور والتأثيرات الفنية.
·       الاهتمام بالخط بوأ الإمارات مركزاً رئيساً، وأصبحت قبلة للخطاطين من كل العالم.

حوار/محمد غبريس
قليلون هم الذين تصدروا الأسماء في مجال الخط العربي، متكئين على معرفة وإتقان عاليين، وملمين بتاريخ هذا الفن الرفيع وأدواته وأنواعه وأساليبه، وتاج السر هو من الذين حملوا على عاتقهم أمانة الخط وخاضوا معه تجربة بحثية طويلة، وسعوا إلى تطويره بما يتلاءم مع الحياة العصرية كما حصل في الهندسة والعمارة والموسيقى وغيرها..
فيما يكمن سرّ تجربة تاج الإبداعية، كما أشار الدكتور إياد الحسيني،عميد الكلية العلمية للتصميم بمسقط، حسب ما جاء في الكتيب الخاص بمعرض "جوهر الكلام" الذي نظمته ندوة الثقافة والعلوم بدبي مؤخرا، أنه يعد صياغة أعماله الفنية بصورة مستمرة، بما يتناسب مع الذاكرة البصرية الحديثة، موضحا أنه بذلك يريد أن يؤكد حياة الخط العربي المستمرة وروحه المتدفقة بقوة توالداتها التي لا تنتهي.
نقرأ في سيرة تاج السر حسن أنه ولد في مروي بالسودان عام 1954، وتخرّج في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في الخرطوم عام 1977،  ثم نال ماجستير الكلية المركزية للفنون والتصميم في لندن بالمملكة المتحدة عام1983، فيما عمل بعد ذلك  خطاطاً ورساما ومصمماً  ومخرجا فنيا مع العديد من المؤسسات الإعلامية والأكاديمية  من بينها وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة،  وهو أحد مؤسسي لجماعة الخط في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية بالشارقة مع بداية عام 1989م، وعضو مؤسس، وعضو هيئة تحرير مجلة «حروف عربية» ـ دبي. وقد فاز حديثا بالمركز الثاني/قسم الخط العربي في جائزة البردة بدورتها الثامنة التي تنظمه وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع  في الدولة، وهي الجائزة الخامسة عشر له في مسيرة حافلة بالعطاء والنجاح والابتكارات والتجديد في الخطوط العربية.

·   أولا نريد أن تحدثنا عن علاقتك بقلم الخط "القصب الخشبي" الذي ظل ملازما لك منذ كان عمرك خمس سنوات، مع تسليط الضوء على بعض النواحي من تجربتك الفنية من حيث الانطلاقة والاحتراف والتأثيرات؟
كل أثر مكتوب أو مرسوم هو نتاج الأداة التي تحركها اليد، وتنوع أشكال الخط وتعدده في الأساليب والأنماط هو أبلغ مثال على تأثير القلم (أداة الكتاب) في ناتج الخط، حتى إن الكتابات والخطوط قديما عرفت بأسماء الأقلام مثل قلم الثلث، وقلم الطومار، وقلم الرياسي..وهكذا. لقد كنت محظوظا إذ جاءت بدايات تعلمي الكتابة وأنا في عمر الخامسة بقلم الخط (القصب)، الذي كان ولا يزال أداة الكتابة الرئيسة على اللوح الخشبي في التعليم التقليدي الذي يسبق تعليم المدارس النظامية في السودان والذي يعرف بـ (تعليم الخلاوي). هذا القلم الخشبي هو شبيه قلم الخطاط العربي إلى يومنا هذا، وعندما أشرت إلى معرفتي الباكرة بجمال الخط بهذا القلم، كنت أدلل على انطباع صورة الخط عندي حتى في تحولاتها اللاحقة باستخدام أقلام وأدوات ومواد الخطاط أو الفنان المحترف.
الخط والرسم كلاهما ممارسة يدوية ينطلق فيهما تفعيل الذاكرة البصرية واستحضارها في حال التشكيل الأيقوني والزخرفي والكتابي، وتضاعيف هذا التشكيل أو تكثيفه في متكوّن الصورة. ومثل كل الخطاطين السودانيين، درست الرسم والفنون الجميلة كتدريب أساسي عند التحاقي بكلية الفنون الجميلة في الخرطوم عام 1973. وهذه الدراسة الشاملة، المختلفة عن نظيراتها في نشأة الخطاط العربي، هي التي طبعتني تشكيلياً وخطاطاً. فبينما يتم التركيز في دراسة الخط العربي على الإتباع والتقليد، تنفتح دراسة الفنون الجميلة على التجديد والابتكار والإبداع، وقد كان من حسن الصدف أن تعرفت باكرا على غايات الفنون الإبداعية مع الإلمام بمحركات التشكيل وإجادة الصنعة.

·   ما الطريقة التي تعتمد عليها في الكتابة خصوصا أن تجربتك الجمالية لا تتوقف عن حدود الصنعة، وإنما تتكئ على التجديد والابتكار والحرية؟
يمثل الخط عندي نوعا خاصا من الرسم، ولهذا أنا أستمتع وأحتفي بحرية وتلقائية وسلاسة الأثر عند استخدامي أدوات ومواد الخط والرسم والتلوين، وأستعين على ذلك بمحاورة خزين ضخم من الصور والتكوينات الخطية التراثية التاريخية، وبإدراك دائم وواعٍ بأن هذا الخزين المتعدد ما كان له أن يتكوّن ويظل معينَ إلهام لو أن سَلَفاً من الخطاطين الفنانين قد توقفوا عند الانبهار به أو تكراره. وعليه ندرك أن التجديد والابتكار والإضافة مسؤولية فنية، وعبرها تتجدد حيوية التشكيل بالخط العربي.
إجادة الخط بأساليبه التقليدية المتعددة والإبتكارية، شبيهٌ إلى حدّ ما بإجادة العزف على آلات موسيقية عديدة، وهنا - في تقديري - مكمن الحيوية النغمية والخطية واللونية.
لا أتوقف عند طريقة واحدة، وإنما أسعى للتجريب الدائم بملاحظة تفاعل التأثيرات المختلفة للأدوات مع المواد اللونية الفنية والخامات التي هي السطوح الورقية والقماشية وغيرها. هذا من الجانب التطبيقي المادي التقني. أما على صعيد المضمون الفني، فقد تشكلت تجربتي الفنية عبر القراءة التأملية للنصوص الدينية والأدبية الرائعة، في مسعى خاص للاحتفاء بها في هيئة صورة خطية تشكيلية وكنوع من التناص التأويلي البصري.
 
·   المتابع لتجربتك الفنية الغنية يجد أن أعمالك تتجدد باستمرار في هيئاتها التكوينية الخطية وفي المعالجات اللونية. كيف تفسر ذلك؟ وما الرؤية الفنية التي تحكم أعمالك؟
تتجدد الهيئات التكوينية في أعمالي، إذ إن كل عمل هو احتفاء بنص معين وحالة تأملية خاصة، لا تتكرر بالنظر لتعدد النصوص واختلاف مضامينها الإنسانية.أما رؤيتي الفنية فمحورها الابتكار والإضافة، وإضفاء حالة معاصرة من التجديد البصري للتكوين بالخط واللون. وأستطيع القول بأنني، وعبر الاشتغال المستمر بالمواد والخامات الفنية المتعددة، توصّلت إلى أسلوبية خاصة تميز أعمالي، وإلى ملاحظات خاصة في مزاوجة الطاقة الحركية لقلم الخط مع متغيّر تأثيرات الطبقات اللونية التي تحدثها (الفرشاة) على السطوح المختلفة.


·   هل توضح لنا أهمية اختيار النصوص التي تنوي رسمها، خصوصا أن أعمالك تتلألأ بالمعاني القرآنية والشعر واللغة والحكمة الإنسانية؟ وكيف تقرأ تأثير الألوان في ذلك؟
ورثت، مثل غيري من الخطاطين، الانشغال بجرافيكية التشكيل الخطي للنصوص المختارة، والتي تكون في غالبها نصوصاً عميقة في أنسنتها، جميلة في معانيها. واشتغالي الاحترافي بفنون الجرافيك والكتاب على وجه الخصوص لأكثر من ثلاثة عقود، طبع محبتي لهذا البديع  من النصوص، ولذلك فأنا موزّعٌ بين حب القراءة والممارسة التشكيلية.أما بالنسبة لاختياراتي اللونية، فهي اختيارات تتحرك وتتشكّل ما بين الذاتي والموضوعي، فحين يكون (الصوت) الخارج من لغة النص يمثل الزمان عندي فقد يستدعي حالة لونية محددة، تكون المادة الخطية واللونية رهينة بالمكان وشروطه ومصادفاته وتجلياته.

·   من المعروف أن تناولك للحرف العربي يأخذ مناحي متعددة في أعمالك، من حيث الشكل والمضمون والمعالجة، وهذا كله يعتمد على مرجعية معينة، حدثنا عنها؟
لقد ثبت عندي منذ زمن أن ممارسة الخط التراثي التاريخي ليست سوى وسيلة لغايات التشكيل الفني المتجدد، ولذلك تكون مرجعياته طيّعة ومرنة بطواعية حروفنا العربية. وعلى هذا، فإنني أرسم خطوطي الخاصة مستلهما هندسة الخط وجماليته عبر العصور كنظام إيجابي مفتوح.

·       كيف يمكن المحافظة على الخط العربي والارتقاء به؟ وهل هناك تحديثات أو تطورات دخلت إلى الخط العربي؟
يكثر الحديث عن خطر وهمي يحدق بالخط العربي، و هذا شأن كل مُستَقِرٍ على جمالية أحادية للفنون. الخط العربي فن بتاريخ طويل وكبير من التطوير والتجدد. وهذه سنة الحياة، فلا يمكن المحافظة إلا على المستوى القيمي الجيد أو الممتاز منه، وهذا هو الحال حتى في أيامنا هذه. يقال أن العقود الثلاثة الأخيرة هي الأكثر حيوية في تاريخ الخط، إذ شهدت تفعيلا أكبر لفنونه وظهوراً لأعداد أكثر من الممارسين المجيدين لفنونه التقليدية والتجديدية.
وبالنسبة للتحديث والتطوير للخط العربي، فيتم عبر الوعي بحيوية صورته المعاصرة سواء في الوسط الاتصالي والمعرفي أو الوسط الفني. فالتقنية المتجددة في الطباعة والإعلام ومثيلاتهما يتطلبان على الدوام خطوطا جديدة في هيئاتها وفي وضوحها وفاعليتها، في ذات الوقت الذي تتجدد فيه النظرة الجمالية للأعمال الخطية، تقليدية كانت أم معاصرة تجديدية.

·       إلى ماذا يحتاج الخطاط لكي يضمن استمراريته وتحقيق أهدافه؟
حياة خطاط الألفية الثالثة لا يمكن أن تكون مشابهة لحياة سلفه، والذين كان عملهم - إلى نهاية القرن التاسع عشر - عنصراً أساساً في نسخ المخطوطات، ونجد أن دورهم قد تغير بعد ذلك -أي في القرن العشرين- إلى خطاطين مساندين جزئياً للطباعة. لقد تغير الوضع جذرياً الآن، وتغيّر معه -كنتيجة- الدور المطلوب من الخطاط المعاصر إذ يتوجب عليه ولوج عالم الجرافيك الجامع لفنون الحروف والصور والتأثيرات الفنية.

·   تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة نهضة ثقافية شاملة، منها ازدهار فن الخط العربي بشكل ملحوظ، كيف تقرأ هذا الازدهار؟
عند وصولي لهذا البلد المبارك الآمن الإمارات في أواخر عام 1988م، وجدت الاستخدام الأكثر للخط العربي هو في الوسائل التعليمية وفي الإعلانات التي ينتج أغلبها أصحاب المحال من الحرفيين الأسيويين. وبفضله تعالى توفقنا، ومعي مجموعة من أهل الامتياز في الخط أن نؤسس لجماعة الخط في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية بالشارقة مع بداية عام 1989م، ونحرر ونطبع أول مجلة خاصة بالخط هي «الخطاط»، ومن بعدها انطلق النشاط المكثف للجماعة الذي أعاد للخط مكانته الفنية في الحركة التشكيلية وبرعاية كريمة  سامية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي. وعبر المعارض السنوية التي أثمرت فعالية الخط الكبرى وهي ملتقى الشارقة الدولي لفن الخط العربي، فضلاً عن مؤسسات أخرى هي متحف الخط، ومركز الشارقة للخط العربي والزخرفة الإسلامية، وبيوت الخطاطين، وغيرها. ثم تأسس نشاط فن الخط في دبي أولاً، برعاية الأستاذ الأديب محمد المر رئيس ندوة الثقافة والعلوم في أواخر عام 1999م حيث صدرت مجلة "حروف عربية"، وبعدها أسست دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي معرض دبي الدولي لفن الخط العربي، تبعه تأسيس مركز دبي لفن الخط العربي لتشهد الإمارات مجموعة كبرى وهامة من المعارض والمسابقات الدورية نذكر منها المسابقة الكبرى، جائزة البردة، وملتقى رمضان لخط القرآن الكريم اللّتان ترعاهما وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. إن أكبر مزادات الفن العربي التي تشمل الخط العربي تقام في دبي منذ سنوات قريبة، وهذا الاهتمام مجتمعاً، بوأ الإمارات مركزاً رئيساً، وأصبحت قبلة للخطاطين من كل العالم.
 الانشغال الثاني عندي هو البحوث والدراسات في الخط العربي وفنونه وتقنياته، فقد شاركت في شهر أبريل الماضي بورقة عن الطباعة بعنوان "الأصول والقواعد التي تساعد على برمجة الخط العربي" في مؤتمر المدينة المنورة، وأعد الآن ورقة أخرى لمؤتمر متخصص في الإسكندرية يعقد في شهر سبتمبر، كما أشارك إن شاء الله في سمنار للفنون تنظمه الأكاديمية الملكية للفنون في كوبنهاجن في الأول من شهر يونيو 2011.

·       حدثنا عن نشاطاتك ومشاريعك الحالية والمستقبلية؟
معرضي الأخير «جوهر الصور..جديد الخطاط..»، كان في موضوعاته احتفاء بالنصوص في شكلها الخطي الكامل، والآن أنظر إليه تتويجاً لمرحلة، وانطلاقة نحو آفاق أكثر رحابة لصورة الخط في التشكيل.أعني بذلك التعامل مع رمزية النصوص واستخدام الأقصى الممكن في تقنيات المواد الفنية إبرازاً للخط كصورة تشكيلية خالصة.

تعليقات