المبدعون العرب: المواقع الإلكترونية..المتنفس الحقيقي لنا


أكدوا أهميتها في تطور الحركة الثقافية



·   عبد الرحمن السبأ: وجود مواقع ومنتديات رصينة تحترم عقول مُرتاديها، وتسعى إلى رفد الواقع بالجديد والمفيد.
·   رضا إمبابي: أضافت الواحات الأدبية الإلكترونية الكثير إلى الحركة الأدبية العربية، وأعطت دافعاً كبيراً لكل المبدعين لشحن القرائح للمزيد من الإبداع.
·   محمد المغبوب: يشعر المبدع من خلال المواقع الإلكترونية بحرية تكاد تكون مطلقة أثناء ممارسته لفعل الكتابة نثراً وشعراً ليقينه أنها خارج سلطة الحكومة.
·   فاطمة بوهراكة: أصبحت للمبدع العربي نافذة عالمية يستطيع من خلالها إبراز اسمه وكتاباته دون أي رقابة.

تحقيق:محمد غبريس
صحيح أن العالم العربي يعيش أزمات خطيرة في أكثر من صعيد، ويقفز من مشكلة أليمة إلى أخرى أشد ألماً، لكنه في ظل هذا يتقدم خطوة إلى الأمام في مجال ما ويتراجع خطوات في مجال آخر، وما تبينه الإحصاءات الأخيرة حول مستخدمي الانترنت في العالم العربي الذي وصل إلى 58 مليون شخص في العام 2009، لهو قفزة مهمة في ثورة الانترنت والمعلومات، وذلك أولا قياسا بإحصاءات السنوات الماضية التي بلغ عدد المستخدمين 28 مليون شخص، وثانيا في ظل انتشار الأمية في المجتمعات العربية حيث وصل عدد الأميين إلى أكثر من سبعين مليون شخص..
لا شكّ أن طرق استخدام الانترنت وتصفح المواقع تختلف من شخص إلى الآخر، سواء لأغراض التسلية أو الدردشة أو التعليم أو التزود بالثقافة والمعرفة، وهي تلعب دورا مؤثرا في بناء المجتمعات وتطويرها، وفي مختلف الميادين والحالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ولهاد فوائد مثل ما لها أضرار وسلبيات، من هنا أردنا أن نسلط الضوء على أهمية استخدام الانترنت لأغراض ثقافية،  ونتعرف إلى الأثر الذي تتركه المواقع الإلكترونية والمنتديات الأدبية في المشهد الثقافي العربي!!

وجبات سريعة
من جهته يقول الشاعر اليمني عبد الرّحمن سبأ: لكي نكون موضوعيّين في تقْيِيمنا للأثَر الذي تتركه المواقع الإلكترونيّة، والمنتديات الأدبيّة في المشهد الثقافي العربي – فلا بُدّ أنْ نحصر حديثَنا على العربيّة منها، والتي لا تتجاوز 8% من مواقع الشبكة الدوليّة للمعلومات، الأمر الذي يؤشر على محدودية المساحة التي تتحرّك في إطارها. كما أنّ محتوى هذه المواقع والمنتديات لا يعدو كونه تكرارا ممجوجا، أو اجترارا بائسا، في الغالب الأعمّ. ومن حيث العمق والدّقّة فتكاد تفتقر إلى المهنيّة والموضوعيّة في أدنى صورها، ولذلك فهي تعمل من حيث لا تدري على تسطيح الواقع العربي، ثقافيّاً وعلميّاً وفي كلّ اتّجاه، إنْ لم نقلْ إنّها تزيدُ الطين بِلّةً، وتكرّس الجهل والتخلّف في واقعنا الكسيح.
ويرى عبد الرحمن سبأ أنّ بسبب غياب الرؤية والوعي الجماعيّ بأهميّة تلك المواقع في التنوير، وضرورة إشراكها في صناعة التحوّلات، وبلورة ملامح المستقبل، وغياب دور الرّقابة الفكرية الهادفة، فإنّ هذه المنتديات لا تجدُ ما تلقى به ضيوفها، الذين يعانون من مجاعة ثقافيّة، إلا ما يمكن أنْ نسمّيه تلوّثاً ثقافيّاً، وليس ثمّة ما يدعو لأنْ يمتلك الفرد منّا أو الجماعة أو المؤسسة موقعاً لا يستطيع أنْ يغري الزائر أو العضو بالتفاعل مع ما يقدّم، إلا ما كان مجاملة مشروطة، أو خبط عشواء بحثاً عن تسجيل الحضور فقط.
يضيف: إنّ مواقعنا ومنتدياتنا على الشبكة "العنكبوتية" لا تُسمن ولا تغني من جوع، بل هي بمثابة وجبات سريعة، لا تتوافر– غالباً – على أدنى المقوّمات الصحية، فضلاً عن احتوائها السمّ، وينبغي أن ندرك ذلك قبل أنْ يلفظَنا التاريخ، ونحن نعبد شعارات زائفةً دون فقْه. على أنّ هذا الحكم لا يلغي وجود مواقع ومنتديات رصينة تحترم عقول مُرتاديها، وتسعى إلى رفد الواقع بالجديد والمفيد، وغالباً ما تكون هذه المنتديات الافتراضيّة رديفاً لمنتديات واقعية.
ويختتم عبد الرحمن بدعوة المعنيّين في العالم العربي: حكومات، ومؤسسات ثقافيةً، ومنظمات مدنيةً، وتجمعات أدبيةً، ومنابر تنويرية، ورؤوس أموال، إلى عقد مؤتمرات جادّة لمعرفة موقعنا من السُّلّم التقانيّ الحديث، وكيف يمكنُنا الإفادةَ من الشّبكة المعلوماتيّة عبر آليّات لتطوير وتعزيز المُنْتج الثقافي على هذه الشبكة، حتى يصبح موازيا للمُنتج الورقيّ (المطبوع)، ورافداً له، ليصبَّ الاثنان في نهر الفكر العربي ثقافة صافية، تحلّق بنا عالياً، فنستعيد المشرق من تاريخنا، ونجتاز الهوّةَ الفارقةَ بيننا وبين الآخر.

متنفس للتواصل
أما الشاعر المصري رضا إمبابي فيرى أنّ المواقع الإلكترونية ومنها الأدبية هي المتنفس الوحيد أمام المبدعين العرب وخصوصا الشباب منهم ممن لا يجدون طريقا لنشر إبداعاتهم.
ويضيف: فالصحف والمجلات العربية، إن لم يكن كلها فجلها يهتم بالتوزيع والأرباح، وهذا لا يتأتى إلاَّ بالنشر لكبار الأدباء ممن لهم قاعدة جماهيرية عريضة، الأمر الذي يتعرض معه شباب المبدعين لظلم بيِّن.
ودعنا لا نحمِّل الصحف والمجلات كل المسئولية، فهناك أسباب طبيعية ومتغيرات عصرية، كسرعة إيقاع الزمن، والزيادة السكانية الهائلة في بعض الدول العربية كمصر على سبيل المثال...الأمر الذي جعل الجميع يلهث ولا يبحث، لا يبحث أحد عن المواهب المدفونة في القرى والنجوع، ويأخذ بيد تلك النباتات النامية إلى أرض خصبة وماء ونور.
ويؤكد رضا إمبابي أنّ كل العوائق تزول وتتلاشى حين نتحدث عن ملتقى أدبي إلكتروني ينشر فيه المبدعون ما يشاءون، بل ويجدون من يستمع إليهم ويدلي برأيه ونقده، فيشعرون بقيمتهم ويدينون بالولاء والحب لهذه الواحات الأدبية... بل إن هناك من رواد تلك الملتقيات ورائديها مَن يتمتعون بشهرة كبيرة ومكانة محترمة، ووجدوا في تلك الواحات الإلكترونية متنفساً للتواصل مع الآخرين تواصلا سريعاً وصادقاً وسهلاً...
ينهي إمبابي حديثه بالقول: إنَّ هذه الواحات الأدبية الإلكترونية بلا شك قد أضافت الكثير إلى الحركة الأدبية العربية، وأعطت دافعاً كبيراً لكل المبدعين لشحذ أو إن شئت قل شحن القرائح لإبداع المزيد والمزيد من الإبداع، رغم وجود بعض المساوئ، من سرقات أدبية، وانتحال شخصية...إلخ ولكنها أمور متوقعة في ظل حداثة نشأتها، وعدم اكتمال آلياتها بعد، وهي عيوب لا تقارَن بما تضيفه هذه المواقع إلى الفكر والتراث الأدبي العربي، وبما تضفيه على روح الشباب من أمل في مستقبل يجدون فيه من يستمع إليهم ومن يراهم...

لن تدوم طويلا
بالنسبة إلى الكاتب اللبناني الدكتور محمد نايف حسون فكانت له هذه المشاركة، حيث يقول: إذا كنا نعيش في ظل أنظمة تسمح لك بأن تكتب ما شئت من الكلمات على صفحات الكترونية لن ينتقل قبس من شرارة ضوئها إلى الشارع فلماذا الكلام عن أنّ الثقافة إن لم تغير المجتمع نحو الأفضل فلماذا هي إذن؟ لسنا مؤهلين بعد للدخول إلى فضاء الثقافة الالكترونية وكل المحاولات الرائعة التي يقوم بها الكثيرون لن تصل إلى الهدف المنشود، هذه الاشتعالة الافتراضية لن تدوم طويلا وإن لم تشعل فتيل التغيير الحقيقي فهي مجرد ألعاب نارية تضيء السماء بقدر ما تثير الضجيج.
يضيف: إنّ البارومتر الحقيقي لقياس حالة الضغط الثقافي الذي نتأثر به هو الكتاب خير الجلساء الذي أصبح في وضعية القرفصاء اليوم. وإذا كثرت المواقع قلت الثقافة، أما عن مجلة "دبي الثقافية" فهي من المجلات القليلة التي تعنى بشؤون الثقافة  والتي تشعرك بدفء الشتاء رغم صقيع الأجواء المسيطرة ولن ننسى أيضا "أخبار الأدب" ومجلة "العربي" وغيرها ممن تخوض أصعب المعارك وسط عالم الدعاية والثقافة المبرمجة للملل والاندحار السريع.

التواصل المباشر
من جهتها ترى الكاتبة السعودية أضواء محمد الوابل أنّ الأثر الذي تتركه المواقع الإلكترونية والمنتديات الأدبية في المشهد الثقافي العربي، سيء وجيد في آن معاً، مضيفة:سيء من حيث انتشار نصوص تفتقر للأدب وتتمحور حول "قلة الأدب"، إضافة إلى ذلك أصبحنا نقرأ أدبيات جميلة  للمبدعين لكن مليئة بالأخطاء اللغوية والإملائية ! ؛أما عن الأثر الجيد الذي تركته – تتابع الوابل كلامها - فهو التواصل المباشر مع أدباء وشعراء من كافة أمصار الوطن العربي ؛ نقرأ لهم لكن لا نراهم  لذا أصبحت المنتديات الأدبية فرصة للقاء ذوي الأخبار المترفة و فرصة لقراءة أعمالهم  قبل نشرها ورقياً  خصوصاً الرواية التي أصبح أصحابها ينشرون أجزاء كبيرة منها ويبقون على الأجزاء الأخيرة محفوظة بعيداً عن عين الحاسوب كنوع  من الدعاية لمدادهم ..وأخيراً فرصة لكتابة أعمدة صحافية "بالمجان" داخل تجاويف  الشبكة العنكبوتية دون أن تنتظر في طابور الكتاب وتتجاوز اختيارات المجلة وضغط رئيس تحرير متسلط أو مزاجي كي يمنحك زاوية تطلق  بها حروفك..

خارج إطار الرقيب
أما الأديب السوري اسحق قومي فيقول: إن المواقع الإلكترونية  لا بدّ أن نعترف بمدى تأثيرها وفعاليتها وسرعتها في النشر والانتشار. وقد تجاوزت الأطر القديمة لمن يودّ النشر، خارج إطار الرقيب، ولكن رغم أهميتها فقد فاضت المواقع بالغث والسمين من الأفكار والقصائد والأنواع والأجناس الأدبية كافة.
ويرى قومي أنّ "النت" لن يستطع أحد إيقاف عجلته أبداً متمنيا على جميع الكتاب والشعراء وأرباب الفكر أن لا ينسوا أن الضمير هو الرقيب وبه نستعين.

التأثير الكبير
من ناحيته يؤكد المخرج المسرحي العراقي صالح البدري أنّ المواقع الإلكترونية والمنتديات الأدبية، لها التأثير الكبير في تفعيل المشهد الثقافي العربي من حيث أنها تشكّل مصدراً مهماً للتزود بالمعلومة والخبرة الثقافية، إضافة إلى المصادر المرئية والمسموعة الكثيرة، خاصة إذا كان مستخدمو هذه المواقع والمنتديات، ممن يجيدون لغات أخرى مثلا .
ويتابع: إن التأثير الإيجابي يكمن في نقل الخبرة والثقافة والتفاعل مابين الحضارات المختلفة على أساس من الإطلاع على ما هو مفيد وجديد ويحقق أهدافاً أدبية وثقافية وعلمية، كما تكبر دائرة المتلقي في التزود من المعارف والعلوم والآداب المختلفة .. إلى آخره .إن ذلك كله يعتمد على وعي وعقل المستخدم أو المتلقي  في هضم المواد المنقولة والتمييز مابين فائدتها من عدمها، خدمة لإغناء المشهد الثقافي العربي .

حرية مطلقة
يلفت الكاتب الليبي محمد المغبوب إلى أنّ عملية تقفي أثر المواقع الإلكترونية على المشهد الثقافي العربية تعد عملية صعبة من حيث عدم وجود محاولات فردية أو مؤسساتية للعمل عليها ومن جهة أخرى تداخل عوامل أخرى مؤثرة على المشهد الثقافي منها وسائل الأعلام الحديثة الحكومية من هنا والخاصة جداً هناك ، مؤكدا أن محاولة الاقتراب من ملامسة هذا التأثير لأنه واقع لا محالة، يمكن القبض عليه من خلال تمظهره على شكل أمناط جديدة تطرأ على الشارع العربي المستهدف من هذا الكم الثقافي المنجز بأقلام عربية، والذي انحازت إليه الدعاية له .
كما يلفت المغبوب إلى أنّ المواقع الإلكترونية ولسهولة الدخول إليها قد روجت عبر كتابات عديدة لأفكار تبدو شاذة أو هي خادشة للحياء وما كان لها أن تكون ضمن ضفتي كتاب لأنه وثيقة يعتد بها في القضاء ولأي منا رفع قضية في الكاتب كما حدث لكثير من الأدباء والكتاب، ولأنّ كل تلك الكتابات الضوئية  بغض النظر عن مستواها الفني سهلة التناول بين الناس نجدها قد أثرت على طريقة تفكير الشباب خاصة.
من جهة ثانية يرى المغبوب أنه بعد ثورة الإنترنت وتداول الأفكار العامة بين الناس،  ظهرت ثقافة عالمية  والإنسان الكوني ولم تعد الحدود هي الفاصلة بين شعب وآخر وهي مقدمات العولمة التي تنصهر فيها الثقافات جمعا.
يضيف: لا بد هنا من الإشارة إلى أن حزمة من السلبيات كانت ظلاً لهذا التأثير ومثلها إيجابيات جميلة شكلت في مجملها هذا السؤال التي تطرحه مجلة "دبي الثقافية": من ضمن هذه الإيجابيات أن المبدع خاصة والذي يشتغل على الفكرة أساساً أخذ يشعر بحرية تكاد تكون مطلقة أثناء ممارسته لفعل الكتابة نثراً وشعراً ليقينه أن خارج سلطة الحكومة، بل حتى الشأن الحقوقي الإنساني أمسى صارخاً في وجه كل دول العالم بفعل الأدب الذي أنجز وهو يتناول الحرية بين خلف الشمس وبين أمامها كما نشطت الألسن حول حرية المرأة وحقوق الطفل وحرية التعبير والكلام عن مؤسسات المجتمع المدني وتشكيلها وهي أمور برزت على سطح شاشات الكمبيوتر وليست شاشات التلفاز الحكومية .


منافس قوي
من ناحيته شاركت الشاعرة المغربية فاطمة بوهراكة في  هذا التحقيق قائلة: مما لاشك فيه أن مجال الإنترنت والمعلوميات الحديثة قد أثر بشكل كبير في النفسية العربية قبل أي تأثير أخر وهو الأهم والأشد حسب نظري، إضافة إلى تأثيرها الفكري مما شكل لنا منافسا قويا وجادا للمطبوعات الورقية باختلاف ألوانها وأشكالها .
أما عن تأثير المواقع الإلكترونية في الأدب و الأدباء فترى فاطمة أن له تأثيرين: واحد إيجابي والثاني سلبي :فأما الإيجابي- تتابع فاطمة- فيترسخ في كون المبدع العربي أصبحت له نافذة عالمية يستطيع من خلالها إبراز اسمه وكتاباته دون أي رقابة ممن نصبوا أنفسهم وصاة على الأدب العربي، كما أنه يسهل لهم الانتشار بشكل أسرع ويقوي علاقات التواصل فيما بين أدباء الأمة من مشرقها إلى مغربها .
أما الجانب السلبي فتؤكد  فاطمة أنه يتمثل في كون أغلب هذه المنتديات تسمح بدخول الاسم المستعار الذي هو إساءة كبيرة للأدب والأدباء مما يشكل لنا نسيجا يغلب عليه طابع الخيال والوهم فلا ينتفع بما يكتبون ليتحول هذا الاهتمام إلى إضاعة وقت في مجال دخله أشخاص من أجل التسلية واللهو . وهذا ما لا يخدم الأدب والأدباء الحقيقيون بكل تأكيد .
وتختتم فاطمة بوهراكة كلامها قائلة: إن تواجد المواقع الأدبية في حياتنا اليومية أصبح متنفسا حقيقيا لكل كاتب و كاتبة يستطيع أن يعبر عما بخاطره بكل حرية وأمان كما يمكنه أن يمرر خطاباته لمن يهمّه الأمر بكل مسؤولية وحيادية.

تعليقات