برج خليفة.. لؤلؤة العمارة الحديثة


ارتفاعه أكثر من 800 مترا


كتب/ محمد غبريس
حين تقف أمام برج خليفة، وتمعن النظر فيه، تشعر بأن قلبك خرج من مكانه، وطار في الفضاء، كما تشعر بأن عينيك صار لهما جناحان يريدان أن يحلقا عاليا، ولينعما برؤية كتلة قمرية معلقة بين ذراعي الأفق، هي لحظات سريعة تستفز حواسك وتستنفر شعورك في كل اتجاه، لا تستطيع أن تتمالك نفسك أمام هذا الكوكب العمودي، ولا تقدر إلا أن تبدي رغبة كبيرة في الصراخ والتعبير والدهشة التي لا توصف، بما توصل إليه الإنسان في تاريخ الحضارات والإنجازات العملاقة..
هكذا ينتصب شامخا ذات قامة مثلثة الأضلاع، يلمع تحت الشمس ويشع عظمة وإباء، لكأنّه لا يريد أن يتوقف هناك، تشعر بأنه يتمدد باستمرار زحفا نحو النجوم المتلألئة في قبة السماء، له هدير النسمات المتأبطة خاصرة الغيوم، وله وجه المستقبل النافذ في ألق وشموخ، إنه أكثر من برج وناطحة سحاب وتحفة معمارية، هو كلّ هذا التاريخ والزمن، هو كل الرؤى المجبولة بالعزم والطموح والتحدي، وكل هذا القلب النابض في خافقي رجل سطر اسمه في سجل الخلود بحروف من ذهب وعنفوان، هو قائد ينتصر للإنسان وللإنجاز الحقيقي والإبداع والعدالة والحرية، قائد بحجم أوطان مجتمعة، هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي رعاه الله..
هنا، في قمة البرج، تتعانق الأحلام بالواقع وترفرف الأرواح نحو الآفاق، وتترنم القلوب بأناشيد الخيال، هنا الأنفاس تمتزج بعطر الارتقاء والسمو، وطعم الحياة كفرح الطائر الحر،هنا، تطلع دبي كزهرة الياسمين لا تتسع الأرض لعطرها، ولا الفضاء لأحلامها، ففي قمة البرج، تتزاحم السنون والأيام وتنعقد شلالا من المجد والطموح والإرادة، ومن القمة إلى قاعدة البرج العريضة ذات الرئة الزجاجية، طريق طويلة من السهر الفولاذي والعمل والذهبي، طريق عمودية تأخذ دبي نحو الإبداع والرقي والريادة.
بافتتاح برج خليفة، الأعلى في العالم، تحصد دولة الإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص المزيد من النجاحات وتحقيق الطموحات والأحلام، والمزيد أيضا من المفخرة والاعتزاز لكل العرب في هذا الزمن المرير الذي لم يقدم فيه العرب أي شيء للبشرية والإنسانية سوى الرضوخ والاقتتال والتخبط في مشكلات مزيفة، فيما يأتي افتتاح البرج في مطلع هذا العام والذي يبلغ ارتفاعه أكثر من 800 متر، محتضناً أكثر من 160 طابقاً، إشراقة غد جديد ينبعث في عيون دبي العصرية، غد يلبي نداء رؤية سموه ويتسع لأحلامه للارتقاء بدبي نحو العالمية.

شاهد تاريخي
إذاً، هو أطول ناطحة سحاب في العالم والذي طورته شركة "إعمار العقارية"، وهو مستوحى من تويجة زهرة الصحراء التي تنمو في منطقة الخليج، وصحيح أنه عبارة عن هيكل عملاق من الإسمنت والمعدن والزجاج، إلا أنه تحفة معمارية تاريخية، لم يشهد العالم مثيلا لها، وهو قد يكون بالنسبة إلى الرسامين مشروع لوحة خيالية، وللشعراء مشروع قصيدة أخاذة، فمن جهته يشعر الشاعر خالد الظنحاني بالفخر الشديد لافتتاح أطول برج في العالم على أرض  دولة الإمارات الطيبة والذي  سيشكل نقلة نوعية بالنسبة إلى الإمارات وخصوصا دبي، وهو شاهد على تاريخ هذه المدينة الحديثة التي سرعان ما تنتهي من إنجاز ما لتعلن عن انجاز آخر.
ويضيف:لا شكّ أن هذه التحفة المعمارية توحي الكثير في الشعر لما لها من دلالات عميقة حيث الرؤية والشموخ والمجد والعطاء والفخر، وهذا الإنجاز العظيم إلى جانب الإنجازات المتميزة في مختلف المجالات والميادين يدعون - نحن الشباب- إلى بذل الجهود الكبيرة في الحفاظ على بلدنا ومستقبلنا والسعي الدائم نحو التطوير وتقديم الأفضل، وإنني حين أمثل الإمارات في الخارج أشعر بالفخر بأنني أنتمي إلى بلد تنعم بقادة متميزين يضعون بناء الإنسان في سلم أولوياتهم..
ويرى الظنحاني أن هذا البرج ليس آخر أحلام دبي كما يعتقد كثيرون، إذ إنّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، يقول دائما إنّ ما تم انجازه إلى الآن ليس هو إلا القليل بالنسبة إلى رؤيتي، وستفاجئ دبي العالم من جديد في تحقيق إنجازات لا حصر لها، ويأتي افتتاح البرج ليصد الهجمة الإعلامية الشرسة التي شنت حديثا على دبي وقائدها، وليسد أفواه الذين يكيلون الحسد لهذه المدينة المتميزة، وليؤكد أن دبي عصية على الانكسار والسقوط..

انطلاقة جديدة
يمثل اليوم برج خليفة انطلاقة جديدة نحو المستقبل، وسيكون له دور كبير في ازدهار الاقتصاد، وهذا يذكرنا بالدور الذي لعبه إنشاء برج العرب يوم ذاك في الحياة الاقتصادية والسياحية لدبي، فكل واحدة من هذه الإنجازات تشكل انطلاقة جديدة تعبر بدبي نحو التربع على عرش الحضارة الإنسانية، وكل انجاز هو محل فخر واعتزاز لدى جميع أبناء الوطن فضلا عن المقيمين العرب، من هنا يقول  المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع سعادة بلال البدور: إننا نعتز بأي منجز يتم على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة في أي مجال، وبرج دبي يمثل معلما حضاريا مميزا يدل على بعد التفكير والرؤية العميقة لدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وإذا ما ضاقت المساحة الأفقية فإنّ الفضاء لا يمكن أن تحدّه المستحيلات، كما أنّ البرج يعكس رؤية سموه النافذة وروحه الوثابة والتطلع الدائم نحو الأعلى.
يضيف: تؤكد الإنجازات التي تتوالى أننا لا نلتفت إلى الوراء، والمهم هو الإعداد للمستقبل وتحدي الصعاب وتذليل العقبات في طريق التقدم والتطور، ربما تكون الأزمة أثرت في مكان ما سواء كان التأثير كبيرا أو قليلا، لكن الإنسان الناجح لا يقف حيت تعترضه أزمة أو مشكلة، بل يجب أن يستعيد قواه وعافيته لينطلق نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وما افتتاح البرج إلا هو خير برهان على تحد الأزمات وإيجاد الحلول المناسبة، ولا يعتقد أحد أن البرج هو آخر أحلام دبي، بل على العكس هو واحد من الأحلام التي يتم تنفيذها في دبي، وهو رسالة للذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها حين أصابت الأزمة العالمية كل العالم ومن بينها دبي، وراحوا يشنون الهجمات الإعلامية القاسية، فدبي مستمرة في العطاء والإنجاز وكل صاحب نعمة محسود..

بلورة عملاقة
أما الناقد والباحث الدكتور عمر عبد العزيز فيرى أنّ برج خليفة يعتبر المعلم الأكثر فرادة في الزمن الإبداعي والفن المعاصر ليس على مستوى الإمارات فحسب بل على المستوى العالمي، ذلك أن هذا البرج منجز هندسي وإنشائي وفني يرتقي إلى مستوى أفضل معايير التصميم والإنشاء في العالم المعاصر.
يضيف: يشتمل البرج في تضاعيفه وتفاصيل بنيته الداخلية على ما وصلت إليه التكنولوجيا المعاصرة، الأمر الذي منحه متانة وثبات ومرونة، ومن الناحية الجمالية يتموضع البرج في قلب دبي العصرية كما لو أنه شاهد حال على المأثرة الإنشائية الجمالية التي تشارك فيها العقل العالمي النير وكانت دبي حاضنا لها، وخارج هذا الإطار العام للمشهد سنجد تفاصيل كثيرة لا يتسع المقام لذكرها في هذه العجالة، غير أن ما يلفت نظري شخصيا في جمالية البناء لهذا البرج، التسلسل والترقي من أدنى إلى أعلى مما يمنحه طابعا فريدا ويحوله إلى بلورة عملاقة تتماهى مع الفضاءات الزرقاء.

تعليقات