الأحد، 16 يناير 2011

مسقط المدينة الوادعة

انطلق مهرجان مسقط 2008 بعزم وتحد كبيرين، حيث ارتدت العاصمة الوادعة في حضن الجبال حلة ملونة، فيما بدت الأماكن المخصصة للفعاليات أكثر جمالاً وسحراً وحضوراً، على الرغم من الأذى الذي لحق بها من جراء الإعصار المدمر الذي ضرب السلطنة في العام المنصرم.

تحت عنوان (سحر المكان وروعة التواصل) تألقت فعاليات الدورة التاسعة من هذا المهرجان بمفاجاَت واستحداثات على كافة الصعد، حيث تحاكي الطموحات التي تكبر في كل دورة جديدة من دورات المهرجان، فمن حديقة القرم الطبيعية التي ازدانت بالتراث العماني الأصيل، مروراً بميدان العذيبة الهانئ على أعتاب البحر، ثم حدائق الصحوة العطرة، وصولاً إلى شاطئ السيب المكلل بالفرح، باقات ورد جميلة لها أكثر من عطر ولون، تسحر العين وتطيّب القلب والوجدان.

الزائر للمهرجان ينغمس تلقائياً في أجواء الفعاليات الساحرة، مرة يرى نفسه طائراً غرداً يحلق في كل مكان، ومرة فراشة تتنقل من زهرة إلى أخرى، إذ لا يستطيع أن يمسك بقلبه ولا عينيه، فكل المكان بديع وجذاب، يحتّم عليك زيارته أكثر من مرة، وفي كل مرة ستكتشف فيه معنى اَخر للفرح والسعادة.

أسبوع واحد لا يكفي لزيارة كلّ الأماكن التي تحتضن فعاليات المهرجان، فهي كثيرة وحافلة بالأنشطة والبرامج المختلفة، ففي قرية القرم الطبيعية يستوقفك التراث على مدى أيام لما يحمله من أصالة وعراقة، وفي ميدان العذيبة تنقلك الأسواق التجارية إلى أكثر من مدينة، لتعيش فيها لحظات تاريخية مجيدة، فأنت في حضرة ملتقى كبير يجمع بين دفتيه المرح والترفيه والتسويق والفرح.

بدعوة من وزارة الإعلام للمشاركة في الدورة التاسعة من مهرجان مسقط الذي أقيم من 21 يناير/كانون الثاني إلى 15 فبراير/شباط 2008، زرنا مسقط لمدة أسبوع تقريباً، وقمنا بجولة على مختلف المواقع والأماكن التي احتضنت فعاليات المهرجان، والتي عكست مدى الجهود الكبيرة المبذولة والطموحات والأحلام للارتقاء بالمهرجان من قبل المنظمين، وعلى رأسهم عبد الله بن عباس بن أحمد رئيس بلدية مسقط رئيس اللجنة المنظمة للمهرجان.

فعاليات قرية القرم الطبيعية
أوّل ما يلفتك في فعاليات المهرجان هو الزينة البديعة التي حرصت بلدية مسقط على الاهتمام بها لإضفاء جو من البهجة والسرور والمتعة، فهي تستهوي الزائرين بدءاً من الشوارع الرئيسة إلى الشوارع الفرعية المؤدية إلى أماكن الفعاليات.

إذا أردت أن تتعرف إلى قرية المعالم الحضارية وقرية التراث والأسواق الحرفية فما عليك إلا زيارة قرية القرم الطبيعية التي غصت بالحشود الجماهيرية الكبيرة طوال أيام المهرجان، فبعض الأنشطة استظلت بأشجار باسقة، وبعضها الاَخر امتد على مساحات شاسعة من العشب الأخضر، وهناك أيضاً أنشطة تربعت على ربوة في وسط بحيرة دائرية، فكان في كل ذلك مشهد رائع امتزج بالموسيقى والأغاني والإضاءة المميزة.

حين دخلت إلى قرية القرم، طالعتني قرية المعالم الحضارية، فكانت فرصة للتعرف إلى تاريخ معالم الدول وعجائب الدنيا السبع من خلال سبعة أعمال فنية ومعمارية مجسمة في الواقع أمام الزائرين، هي: قلعة الرستاق، التي تقع عند سفح الجبل الأخضر في ولاية الرستاق في الباطنة، ويعود تاريخ بنائها إلى عام 1250م، ومدينة البتراء الأردنية المعروفة، وسور الصين العظيم، وبرج بيزا المائل الإيطالي، الذي يعد منشأة معمارية جميلة فريدة من نوعها منذ ما يزيد على ثمانية قرون، إضافة إلى تاج محل الهندي، وهو من أجمل المباني الإسلامية في الهند من حيث الروعة والزخرفة والتصميم المعماري، وأيضاً برج إيفيل والهرم الأكبر.

بعد ذلك تطل علينا الأسواق الحرفية التي ضمت 9 أجنحة شارك فيها عدد من الدول وهي: إيران وماليزيا والفلبين وإندونيسيا وتركيا والصين والمغرب ومصر واليمن، وتهدف هذه الأسواق إلى التعريف بتجربة الدول المشاركة في مجال الصناعات التقليدية وتبادل الخبرات والثقافات. وقد شملت مجال الفضيات والفخاريات والسعفيات وصناعة الورق والنسيج بنوعيه الصوفي والقطني، والمعادن والنحاس والنحت على العظام والخشبيات والجلود وصناعة البخور.

من الأسواق الحرفية إلى قرية التراث التي تعكس ملامح التاريخ العماني الأصيل، استمعنا هناك إلى (فن المالد) وهو يعدّ أحد أشكال الأغاني الدينية في بعض مناطق السلطنة ويتكون (المالد) من صفين من الجالسين يحملون بأيديهم طبولاً يلوحون بها في الهواء ويضربون عليها بحركة متناغمة مع إيقاعات الدفّ والطارات.

ولأننا في قرية التراث، فكان لا بدّ من أن نتذوق أحد أنواع الخبز العماني الذي يسمى القْرَم (بتسكين القاف وفتح الراء)، وهو أكلة شعبية تشتهر بإعدادها ربات المنازل في ولايات المنطقة الداخلية مثل ولاية نزوى وولاية بهلاء والمناطق القريبة منها.

كلما تعمقنا أكثر في قرية التراث، وجلنا بأنظارنا في وجوه الناس التي يغمرها الفرح، شعرنا بسعادة لا توصف لما يترجمه المكان بكل أبعاده، من عمق اجتماعي وحضاري وتراثي، فقد تعرفنا إلى الفنون العمانية الشعبية التي تعد أحد موروثات الثقافة الأصيلة، حيث قدمت بعض الفرق ألواناً غنائية تراثية فنية شملت الغناء والأداء والرقص واللحن، وهي تجسد الحياة في البادية، ومن هذه الفنون: أبو زلف، العيالة، الدان، المنجور، الرزفة، العازي. .

وفي جولتنا شاهدنا عن كثب صناعة النسيج وصنّاع الخناجر والحلي والفخاريات، وصناعة السعفيات، كالحصر(البساط) والسلال، وخض اللح وتجهيز القهوة العمانية والخبز البلدي (الرقاق ) ومطحنة الحبوب ( الرحى ). . فيما استوقفتنا في قرية التراث رائحة الأكلات العمانية التقليدية، مثل الهريس والعرسية والمكبوس .

هناك الكثير والكثير من الفعاليات والأنشطة التي تتوزع في أرجاء حديقة القرم الطبيعية، والتي لا تتسع هذه الصفحات لذكرها، ولكن يهمّنا أن نشير إلى بعض الفعاليات الجديدة التي انضمت إلى المهرجان وقد لاقت إقبالاً كبيراً مثل المعرض الجامعي ومعرض الثقافة الإلكترونية، فالاثنان تميزا بتقديم فقرات متنوعة من شأنها الأخذ بيد الطلاب والمساهمة في نشر الوعي الإلكتروني.

فعاليات ميدان العذيبة
تعدّ حديقة القرم الطبيعية بوابة المهرجان الأساسية ومعبراً إلى فعاليات أخرى في أماكن متفرقة داخل العاصمة، ومنها ميدان العذيبة حيث المعرض التجاري العالمي وفعاليات المسرح الرئيس وفعاليات قرية الأسرة والمرأة والطفل. .

أما المعرض التجاري الدولي فضم أكثر من أربعين دولة عربية وأجنبية، إذ وجد الزائر فيه متعة التسوق وذلك لاحتوائه على الكثير من البضائع المتنوعة من مختلف البلدان بصناعاتها المحلية، وهنا نشير إلى المنتجات العمانية التي شهدت إقبالاً شديداً من قبل زوار المهرجان الذين وجدوا مختلف الاحتياجات من الملابس والصناعات الغذائية والأدوات المنزلية وأدوات المطبخ والإكسسوارات وغيرها من الاحتياجات الأسرية في مكان واحد.

للأطفال نصيب وافر من هذا المهرجان، حيث الدمى المتجولة في ساحات المهرجان والفعاليات المائية والألعاب الهوائية والمسارح الغنائية، وقد حفلت مدينة الطفل بأنشطة متنوعة تفاعل معها الأطفال ببهجة وسعادة كبيرتين، فمنهم من استهواه الرسم والتلوين واللعب بالمكعبات، ومنهم من اختار اللعب بالمراجيح، علاوة على ذلك هناك ركن الإبداعات لتنمية الموهبة لدى الأطفال وحثهم على المشاركة في جميع الهوايات التي يحبونها، إضافة إلى فن الغناء والاستماع إلى أصواتهم وهم يشدون بأجمل الأغاني العربية والأجنبية.

البرنامج الثقافي
الزائر لمهرجان مسقط 2007 سيجد في المهرجان 2008 تطوراً في أكثر من جانب، وخاصة على الصعيد الثقافي والفكري والتراثي، حيث نظم عدد من الأمسيات الشعرية والمحاضرات الفكرية بمشاركة مجموعة من الشعراء والمثقفين والمفكرين العمانيين والخليجيين والعرب. فكانت هناك أمسية أقيمت في قاعة أفراح بفندق (غراند حياة) شارك فيها الشعراء: أحمد بخيت وعدنان الصايغ وحسن المطروشي وعائشة السيفية، وأمسية أخرى في النادي الثقافي شارك فيها نخبة من الشعراء وهم: أمجد ناصر ومحمد الثبيتي وطالب المعمري وسما عيسى. فيما احتضنت قاعة النور بمدينة السلطان قابوس أمسية للشعر النبطي بمشاركة كل من حامد زيد وعامر الحوسني ومطر البريكي، وأمسية أخرى للشعر النبطي شارك فيها كل من سعد علوش وعبد الحميد الدوحاني وبدر الشحيمي.

كما استضاف النادي الثقافي أمسية فكرية نقدية تحت عنوان (إشكالية التواصل بين الفنون والأدب) شارك فيها كل من الدكتورة نبيلة الزواوي والدكتور لطفي اليوسفي والدكتور هلال الحجري والدكتور محمد المحروقي.

الكلام عن مهرجان مسقط لا ينتهي، ففيه من الإثارة والتشويق والإبداع ما يجعلنا ننتظر من الاَن ونستعد على أحرّ من الجمر للدورة المقبلة، فعدا عن سعادتنا بالأيام الرائعة التي قضيناها في ربوع مسقط، أم القلاع والحصون، فإننا حملنا من هناك ذكرى طيبة لمدينة تختزن السكينة والجمال، ولأناس غيارى تتلألأ على جباههم معاني المحبة والضيافة والكرم. . فهنيئاً لمسقط هذا المهرجان الجميل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق