الفنان الكوميدي دريد لحام : مسرحنا يتقدم إلى الوراء!





                      
-         تناسى العرب قضيتهم وانشغلوا في أمور لا تمت بأية صلة إلى واقعنا المتدهور!
-         أفضل مواقفي الوطنية على جواز سفري الدبلوماسي
-         الأعمال التلفزيونية اليوم .. أكثر ابهارا وأقل صدقا
-         وضع فيلم عربي بمقابل أفلام عالمية ... ظلم
-         التلفزيون هو الابن البار للأنظمة العربية!
-         ما يقدم اليوم باسم المسرح .. سياحة!

حوار/ محمد غبريس


خفيف الظل، صاحب روح مرحة وابتسامة مشرقة، مقالبه الطريفة ما زالت تتألق في ذاكرة الأجيال،وهل هناك من ينسى مقالب غوار الطوشه ضد رفيقه وغريمه حسني البرزان..
دريد لحام ظاهرة لا تتكرر في المسرح والتليفزيون السوريين، ظل يرسم البسمة طيلة ما يقارب الثلاثين عاما على شفاه الإنسان العربي، ينتمي إلى الناس البسطاء يفكر مثلهم ويتصرف مثلهم، فاختار الشاشة الصغيرة وسيلة للتعبير عن سخطه وغضبه وسخريته من أصحاب النفوذ والسلطة ، بالإضافة إلى فواصله ومواقفه الدرامية الساخرة والناقدة للأغنياء الذين يتمتعون بمال الفقراء..
يعد الفنان الكوميدي السوري دريد لحام من أبرز الممثلين الكوميديين في الوطن العربي، حيث اشتهر بشخصية " غوار الطوشي " الكوميدية، التي مثلها في مسلسلي "حمام الهنا" و"مقالب غوار" في السبعينيات، كما قدم العديد من الأفلام السينمائية، منها "خياط للسيدات" و"اللص الظريف" و"التقرير" و"الحدود".
 في الثمانينيات وبعد تردي الأحوال في البلاد توجه دريد إلى المسرح وقدم عدداً من المسرحيات السياسية للناقد والكاتب محمد الماغوط ومنها "كاسك يا وطن " و"غربة" ، ومن أعماله التلفزيونية الأخيرة " أحلام أبو الهنا " و"عودة غوار".
اختير عام 1997 سفيراً لمنظمة اليونيسيف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولكنه فقد هذا اللقب بسبب مواقفه الوطنية وتصريحاته في جنوب لبنان دعما للمقاومة اللبنانية ولأطفال فلسطين والعراق..

" دبي الثقافية " التقت الفنان دريد لحام حاورته في موضوعات كثيرة وشائكة ..

·       في البداية : ماذا عن فيلمك الأخير " الآباء الصغار "؟

- هذا الفيلم الذي كنت أحلم بتقديمه منذ سنوات بعيدة ، قد أعادني اليوم إلى شاشة السينما بعد غياب طويل، فهو من تأليفي وإخراجي إلى جانب البطولة ، كما هو إنتاج مصري، شاركت في التمثيل حنان ترك وسلمى المصري ومجموعة من الأطفال..
تدور أحداث الفيلم حول قصة كوميدية إنسانية لعائلة تقيم في بيروت والتي يكافح أطفالها في تحسين ظروف معيشتها من خلال العمل والتضحية في تمكين والدهم ليستكمل تعليمه الجامعي بعد أن انقطع عنه بسبب وفاة زوجته، وتقف بجانبهم وتساعدهم في هذه المهمة فتاة مصرية تدعى " أمل " التي تستضيفها هذه العائلة وتسكن معهم ..

·       هذه المرة الأولى التي تتعاون فيها مع شركة إنتاج مصرية؟

- نعم هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة مع أية شركة إنتاج، وبالنسبة إلى انتاج الفيلم فقد تبنته شركة مصرية تدعى " تخيل " التي طلبت مني تقديم عمل سينمائي ، فأرسلت إليها سيناريو " الأباء الصغار " وقد أعجبها كثيرا ..

·       ماذا قدم لك لقب سفير النوايا الحسنة لليونيسيف ؟

- غير الراحة والمصالحة مع نفسي لم يقدم لي أي شيء ، أما من ناحية العمل الميداني فالاهتمام بالطفولة وحقوق الأطفال وخاصة فيما يتعلق بتلقيح الأطفال ضد الأمراض المعروفة مثل الشلل ، ونشر التوعية بهذه المسألة لهما أهمية كبيرة في تحضر الشعوب وفي كافة المجالات التي تعكس التعبير عن الواقع والمستقبل وعن إعداد مجتمعات مثقفة ..
يسود في المجتمع العربي تغكير خطأ،وخاصة عند بعض الناس الأميين والبسطاء الذين التقيتهم خلال مهمتي كسفير للنوايا الحسنة، حيث يعتقدون أن شلل الأطفال يشفى منه المصاب عندما يكبر..
دعني أقول لك مقتطفا من خطابي الذي ألقيته أمام 25,000 طفل : أطفال فلسطين هم من أهم واجباتي كسفير. لذلك فإنني أتمنى أن تحصل لي فرصة زيارة فلسطين في المستقبل القريب. ولكنني كمواطن عربي سوري، كرامتي لا تسمح لي بوضع الختم الإسرائيلي على جواز السفر..

  • ما موقفك من العرب..؟

 - " قاطعني " .. تناسى العرب قضيتهم وانشغلوا في أمور لا تمت بأية صلة إلى واقع مجتمعنا المتدهور، يكفي أنهم غضوا الطرف عن الأطفال اليتامى والمشردين بلا مأوى، وهنا أسأل : أين العرب ؟؟


·       لماذا تخليت عن لقب " سفير النوايا الحسنة "؟

- لأنهم أتوا ليحاسبوني على تلك الزيارة التي قمت بها إلى أحد مواقع جنوب لبنان بعد التحرير، حيث تجولت وعائلتي وأولادي وأحفادي في بعض القرى المحررة في الجنوب لنشاهد انجازات المقاومة اللبنانية ، وعند " بوابة فاطمة " الفاصلة بين الحدود اللبنانية مع دولة إسرائيل، صرحت بأني صديق للمقاومة وفخور بصداقتي لها ، وأن الولايات المتحدة الأميركية نازية، فاعتبروا هذا الكلام دعما للإرهاب ، وإني أفضل مواقفي الوطنية المؤيدة للمقاومة اللبنانية والعربية على جواز سفري الدبلوماسي الأحمر ..


·       برأيك، ما يعرف بـ " تسييس المسرح " كيف يخدم قضايانا؟

- لا شكّ أنه يجسد حالة من الوعي بالواقع ،تؤدي إلى النمو والتراكم عبر سنوات طوال، إذ يشارك في المخزون الداخلي للإنسان الذي يحتاج فيما بعد إلى تفريغه من الألم والغضب، طبعا لم يحصل أن فيلما ما أو  أية مسرحية، دفع بالناس إلى التظاهر والتغيير، إلا أن التراكم اليومي في المخزون الثوري والنضالي – إذا صح التعبير - سينفجر في مرحلة ما أو في جيل ما ، وليس من الشرط أن تكون النتيجة آنية ، مثل ذلك مثل أطفال الحجارة في تسعينات القرن الماضي، فهم ليسوا جيل النكبة وقد لا يعرفون النكبة التي حدثت بـ 48 ، لذا شكل هذا المخزون السابق ذكره، عبر أجيال ومراحل معينة،  جسر عبور إلى الانتفاضة البطلة ..

·       ألم تشتاق إلى "غوار"؟

( ضاحكاً ) .. لم أنس حتى أشتاق ، فهو في دمي وماضيي وحاضري وغدي إن شاء الله ، لكن المشكلة هي أن شخصية "غوار" لها مواصفات في سلوكها المحبب ولكن مع العمر تصبح العودة إلى هذه الشخصية غير ممكنة ..

·       ولكنك قدمت " عودة غوار "؟

- هذا صحيح، ولكني قدمت الشخصية بشكل آخر،  ومختلف عن الشخصية الأولى، بل بطريقة تجسد غوار بأنه مسالم وهادئ ، حيث يتخلى عن مقالبه ونقده اللاذع ، ليتحول إلى رجل طيب يعمل بوابا لدى (البيك) الذي يعتدي على زوجته وأثناء مقاومتها تتعرض للسقوط على الارض وتموت، فتتهم الشرطة "غوار " بقتل زوجته ويسجن عشرين سنة ليخرج بعدها ثم يبدأ البحث عن ابنته..


·       ماذا تجد حين تقارن بين ماضي الدراما العربية التي تألقت بـ " غوار الطوشي " وحاضرها الباهر بالحداثة والتقدم؟

- أعتقد أن المفارقة الأهم لا تتعلق بالشخصيات التي تتحرك في الشاشة أو على المسرح ، وإنما ترتبط بمسألة التقنية والتكنولوجيا الجديدة ، لذلك أجد أن أعمال اليوم هي أكثر ابهارا وأقل صدقا ، فحلت الصورة وغاب الإخلاص للعمل..

·       لماذا توجهت إلى الأعمال التلفزيونية؟

- أنا أعتمد على الفكرة التي لا أعرف متى تولد وتنمو في أي ظرف سواء كان سيئا أم خيرا ، وهي التي توحي لي ما إذا كانت صالحة للتلفزيون أو للسينما ، لذا من هنا كان تاريخي الفني خليطا بين كل الفنون..

·       أين تجد نفسك؟

- هذا السؤال إذا وجهته لأي فنان سيجيبك على الفور : في المسرح ..
هناك علاقة حميمة آلية تحصل بين الممثل والجمهور ، علاقة لها سحرها الخاص وطعمها المميز، وليست موجودة في وسائل التواصل الأخرى ، فعندما تمثل على المسرح ، تشعر بوجود الناس الذين يجلسون قبالتك ، وتنظر إلى عيونهم كما أنك تشعر بأنفاسهم وغضبهم وبسعادتهم ، بينما في التلفزيون أو السينما فإنك تجلس أمام عين زجاجية باردة ومملة ..

·       معروف أن جمهور المسرح قليل جدا، بالمقارنة مع جمهور التلفزيون ، والفنان يبحث عن العدد الأكثر من المشاهدين، ما تفسيرك ؟

- قد يكون جمهور المسرح قليلا ، ولكن من المؤكد أن الذي يذهب إلى المسرح مهتم جدا ، والفرق بين المسرح والتلفزيون، أن الجمهور هو الذي يأتي إلينا أما في التلفزيون فنحن نذهب إليه ، لذلك يمكن أن يرى المشاهد العربي أعمالنا وهو  في بيته ، بـ"بيجامته "، بينما في المسرح سيتكلف، سواء من ناحية السيارة أوالثياب بالإضافة إلى شراء التذكرة ، فالمسرح فيه صعوبة كبيرة ، إذ إن المشاهد حين يخصص جهده وماله ووقته ، ينتظر بالمقابل أن يكون العمل جميلا وممتعا ، على خلاف التلفزيون الذي يقدم عملا ليس بالجيد ولكنه يحظى بمشاهدة جماهيرية كبيرة ..

·       ما رأيك بالمهرجانات السينمائية العربية ؟

- في بعض الأحيان تظهر أصوات عديدة تحمّل المهرجان أشياء ليست من واجبه، على سبيل المثال، يقول بعضهم : ماذا قدم هذا المهرجان للسينما العربية؟ أو ماذا عمل لتحسين ظروف السينما؟ دور المهرجان ليس كما يقولون، هو عملية تلاقح وتلاقي وتعاون، إضافة إلى النظر في تجارب جديدة، هنا ينتهي دوره، وضمن هذا الإطار يكون قد قام بواجبه الحقيقي، لكن أنا عندي رأي بخصوص المهرجانات العربية حتى لا تكون استنساخات عن بعضها بعض ، ما أراه أن هذا المهرجان يختلف عن ذاك فقط من ناحية الأناقة والابهارا والسخاء، إذ أفضّل وهذا خير للمهرجانات ولنا كممثلين ومخرجين، أن يصبح هناك تعاون بين المهرجانات العربية من خلال التواصل وتبادل وجهات النظر والتنسيق سواء بمواعيد المهرجانات أو الاختصاص ، فكلما ضاق الاختصاص كلما زادت الفائدة ، بما معناه " في الماضي كان الحلاق هو الطبيب في الحي الواحد، وهو الاذاعة ، وهو الذي يقلع الأضراس، كذلك يداوي المريض، ويعمل لزقات وكاسات هوا.." أما اليوم فنجد أن طبيب العيون، اختصاصه فقط العين ، بل أكثر من ذلك أصبح للعين اختصاصات عدة ، فهناك طبيب مختص بالشبكية وآخر بالقرنية ألخ .. لذا إذا شعرت بأن هناك خللا ما في جسمك فلا تذهب إلى طبيب عام، وإنما إلى طبيب خاص، من هذه الزاوية أتمنى أن يكون للمهرجانات اتجاهان : الأول يتعلق بتنسيق المواعيد وخاصة أن هناك 4 مهرجانات متواترة، في دمشق ومراكش والقاهرة ودبي، والثاني أن يوكل لكل مهرجان اختصاص ما، وأتمنى أن يكون واحدا من هذه المهرجانات مخصصا للفيلم العربي فقط حتى نستفيد ، خاصة أن السينمائيين يجتمعون مع بعضهم بعضا، ويناقشون أعمالهم على طاولة مستديرة وفي الندوات، ويضعون الحلول للمشكلات السينمائية ، وهنا تصبح الفائدة أكبر، أنا أرى أنوضع فيلم عربي بمقابل أفلام عالمية ظلم ..

·       أين أصبح العمل السينمائي بينك وبين الفنان عادل الإمام ؟

- ما زالت الفكرة قائمة منذ أكثر من عشر سنوات، وهذا حلم يجمعنا معا في عمل واحد، وأنا اليوم بصدد كتابة سيناريو الفيلم ..

·       هل لك أن تعطينا لمحة عن الفيلم؟

- هو عمل كوميدي وطني تحت عنوان " وطن في السماء "، يشبة إلى حد كبير فيلم " الحدود " المتعلق بالإشكالات التي تحدث يوميا على الحدود بين بلدان الوطن العربي.. هذه الإشكالات التي تشبه في تشعباتها قصص الحب وهي كثيرة، تستطيع أن تجلس على الحدود وستشاهد ألف قصة في اليوم الواحد..

·       ما رأيك بالدراما السورية اليوم ؟

- بدون أدنى شك أنها حققت نجاحات متميزة وانتشارا واسعا كما تقدمت تقدما كبيرا نحو الأجمل والأفضل، واستفادت كثيرا من مسألة التكنولوجيا، حيث استطاعت أن تتعامل أكثر مع معطيات هذا العصر ضمن إمكانياتها المتوفرة، وهذا سببه أن قطاع الخاص في سوريا هو الذي تولى هذه المسألة، بعد أن كان القطاع العام يعتبر نفسه هو المنتج الأول، وعلى هذا الأساس تكونت شركات انتاج مهمة جدا، ويوجد في سوريا اليوم نحو 140 شركة انتاج دراما وتلفزيون ..

·       لماذا لا تشارك في بعض الأعمال التلفزيونية؟

- لأني لم أجد أي دور يلائمني أوأنا ألائمه ..

·       هل يدعونك إلى التمثيل؟

- حقيقة لا ، فأنا مغضوب على تاريخي ، فلا توجد أية شخصية تاريخية تشبهني ..

·       ما مواصفات الكوميدي الناجح؟

- يجب على الكوميدي أن لا يعتبر نفسه البطل في الكوميديا، فالبطل الأوّل والأخير هو النص، إذ إن الممثل يجسد شخصيات موجودة على الورق، فإذا تمكن من تجسيدها باخلاص وابداع سينجح ، أما إذا اعتمد على حركاته وشكله ففي آخر المطاف سيتحول من ممثل كوميدي إلى مهرج..

·       متى يتصالح " غوار " مع السلطة؟

- لا يوجد فنان في العالم متصالحا مع السلطة، فأنا لست ضد السلطة، وإنما ضد الأخطاء التي ترتكب باسم السلطة، أو التي يرتكبونها من هم منتمون إلى السلطة، كما أني لست ضد أي نظام ، مهما كان نوعه، لذلك هناك عناصر مهمة للمواطنة، وهي الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فمتى ما كانت موجودة فليس لدي مشكلة مع أي نظام أو سلطة..

·       برأيك هل يستطيع الفن أن يعيش تحت غطاء السلطة؟

- طبعا لا ، لأنه سيفقد احترام الناس له ، من هنا نرى أن المسرح في العالم العربي متخلف عن التلفزيون، لأن سلطاتنا ( تبحبح ) للتلفزيون ، فهو قبل أن يكون إعلاما أو يمارس دوره كإعلام، يمارس كإعلان ، حيث يعلن عن السلطة (يعملها دعاية) .. لذلك " تبحبح " له الأنظمة العربية التي ترى أن المسرح هو الابن العاق  وأن التلفزيون هو الابن البار ...

·       هل يأتي " غوار " آخر ؟

- قد يأتي كوميدي يحبه الناس أكثر من " غوار " الذي لا يموت ، لأن في الفن لا يوجد بديل ، فكل فنان هو حالة قائمة بذاتها لا تتكرر ، وقد يأتي أفضل مني، ولكن ليس مثلي ..

·       كيف تنظر إلى واقع المسرح العربي اليوم ؟

- تقدم إلى الوراء كثيراً وأعلن إفلاسه ..فما يقدم اليوم باسم المسرح هو سياحة، إذ أصبح المسرح عمليا للسواح، مثل أي كازينو أو ملهى ليلي ، تدخل إليه لتضحك وتتسلى ثم تخرج، مرات تضحك من العمل المسرحي وفي أكثر الأحيان تضحك عليه ..


  



   

تعليقات