' نبض الأقحوان' بطعم الحنين ودهشة الحكايات لمحمد غبريس



 
القدس العربي/هويدا صالح
في عالم مسكون بالحنين، والنوستالجيا إلى ماض جميل مفعم بالحكايا والتفاصيل والذكريات، يقدم لنا محمد غبريس نبض أُقحوانه في ديوانه الجديد الصادر عن ' دار الحوار' في دمشق. عالم طفولي مليء بلحظات الشجو والشجن ذلك الذي يطالعنا في ديوان ' نبض الأقحوان'، منذ الإهداء الذي يعتبر من العتبات الأولى للنص ونحن نتلمس ذلك الحنين، فهو يهدي ديوانه ' إلى وردة الأقحوان التي تسلقت طفولتي واحتوتني نبضاً، إلى نيفين ولورين وسيرين، وأهلي الرائعين، أهدي كل هذا الحنين'.
في تفاصيل إنسانية دقيقة، وروح تهفو إلى الماضي الذي يعادل كل ما هو جميل، ينتقل غبريس بقصائده التي تترواح بين ما هو داخلي وعميق وأصيل في تجربة الشاعر، وهي لحظاته الإنسانية وعلاقته الحميمة سواء بالطفولة وروعتها أو بالأماكن التي سكنته في غربته أو بزهوره البرية التي نمت على مهل وتسلقت جدران روحه، وصارت أقرب من روحه إليه، وتلك الزهور البرية الجميلة هما ابنتاه ' سيرين' و' لورين'.
تبدأ تجربة الديوان بسؤال الكتابة، بقصيدة يسائل فيها صديقه ( الشعر)، وفيها تتجلى تجربته وسؤال الكتابة لديه، فهو يرى الشعر صديقه الذي يخلصه من العذابات ويلملم شتات روحه، ومن منا لا يكون سؤال الكتابة لديه هكذا ململماً للشتات ومخلصاً من العذابات.
تترواح قصائد الديوان ما بين القصيدة الكلاسية وقصيدة التفعيلة، وتحمل تجربته الشعرية من القضايا والرؤى الذاتية والعامة الكثير، لكن صورة الوطن لم تغب عن المشهد الكلي للديوان. وتتجلى صورة الوطن في سرب طيور يحلق فوق طريق السنونو أو زهور نضرة تفوح رائحتها في طريق النحل أو أصابع أمه التي تتلمس روحه المتعبة كي تعيد إليها الهدوء.
لم تغب صورة الوطن / الحنين عن قصائد الديوان كلها حتى تلك التي يخاطب فيها السيد الشعر أو ابنتيه الحبيبتين أو حتى الحبيبة المعشوقة التي يناجيها.
لم يقدم لنا سيرة الوطن / المكان، فهذا مما يضيق عنه الشعر، لكنه قدمه في لغة شعرية قادرة على أن تحفل بالدلالات العميقة وصور مدهشة تعرف كيف تسرب كل تفاصيل الحياة في ذلك الوطن البعيد / القريب، الوطن المذبوح، بأي أيد آثمة ذبح هذا الوطن. هكذا شعرت بصرخات الشاعر المكتومة، وربما كتمه لصرخاته نأى بالديوان أن يقع في فخ المباشرة والمنشورات السياسية. يقول في قصيدة ' الرحلة الأخيرة':
سقطت طائرة
في دم هذا البحر
حطت فوق ظهر الصمت
ألقت
دمعة وانصرفت
كانوا هنا
بين رحاب هذا الوطن
المذبوح
لم يعتزلوا الغربة
راحوا
ينحتون الملح قبرا'
لكن الشاعر لا يستسلم لذبح الوطن، وذلك الملح الذي يتحول لقبور، فهو يشق طريقا إلى الضوء، طريقا إلى الخلاص، خلاص الذات الشاعرة قبل خلاص الوطن. ألم تتماهى الذات الشاعرة بهمومها وتفاصيلها في الوطن؟!
يقول في ذات القصيدة:
يفكون رموز
الموج
بحثا عن طريق
باتجاه الضوء
آه
أيها الفجر لمن هذا الصباح
المظلم الباكي. .
لمن هذا الرحيل
المطبق المالح؟
خذنا
أيها الفجر. .... '
لا تخفى علينا دلالة الملح التي تتكرر في القصيدة، كما لا تخفى علينا دلالة الفجر والضوء وحتى الحنين. . اللغة محملة بإحالات لما يعانيه الوطن المتشظي في ذاكرة الشاعر، وما تعانيه الذات الشاعرة في غربتها.
ولا يقف شجو الشاعر عند رحلته الأخيرة، ففي قصيدة ' لم أعترف' نرى الوطن ما زال يخاتله ويتسرب إلى دمه المستباح، كما وطنه المستباح، فالوطن كان زاهيا على خده كحبات الندى يرتدي جلده وتاريخه وحتى غده، لا يفارقه، فهو يحمله في الروح بطاقة هوية، تدفع عنه موات الغربة. وطن مستباح وذات شاعرة تقاوم الفناء والموات بالتماهي في صورة الوطن الذي هو جميل رغم كل شيء.
يقول:
' كان موطني زاهياً
على خدي
كحبات الندى
هو المكان
يرتدي جلدي
وتاريخي
وعنوان غدي'
وحتى حينما ينزع الشاعر إلى ذاته يستبطنها، ويسبر غور تجربتها الوجدانية، ويناجي الحبيبة التي تشتاق روحه نجده يُماهي بين صورة الحبيبة وصورة الوطن، فالوطن في فراغات النص وبياضه قبل منطوقه ومقوله يقول في قصيدة قلب شمس، فالحبيبة تأتيه ذات وطن ممتزجة بلون البرتقال وعطور الذاكرة:
' سلام للتي جاءت إلي
وبين كفيها
ورود العيد. .
ذات وطن
سلام للتي امتزجت
بلون البرتقال
وعطر ذاكرتي'
يميل الشاعر في بعض قصائده إلى السرد، رغم أن الديوان يرواح بين التفعيلة والكلاسية، إلا أنه في قصيدة ' إلى لورين وسيرين' نجده يسرد علاقته بابنتيه في لغة بسيطة وحكائية، بما يليق بدهشة وروعة العلاقة بين البنتين وأبيهما / الشاعر. يقول:
' لي بنتان رائعتان
أرى الدنيا من خلالهما
وأرى نفسي
وملامح فجري
مذ كنت طفلا
تحيطان بي
تلعبان معي
تطفئان حريق الغربة'
ولم يصور محمد غبريس علاقته بالحبيبة والبنات والوطن والشعر فقط، بل ها هي أمه حاضرة، تنظر إليه من ذاكرة حية، يناجيها، ويطالبها بأن تكون البلاد التي يفتقدها، حتى يختلط في ذهن القارئ، هل هي أمه الإنسانية أم أمه البلاد التي يفتقدها، وهناك من الجمل ما ترشح الدلالتين معا، كما سنرى، فلها رحيق الانتصار وأكاليل الغار، كما هي بلاده المشتهاة يقول:
' لك يا أمي
لك أجفان الضحى
إكليل غار. ...
خذ إليها دمعتي،
غصنا نديا /
خذ شراييني
فراشا،
واعتذاري
أنت قنديل غدي
كوني بلادي
والصباحات،
لعيني مناري
إن هي الأيام
ضاقت بخطاها
فذراعاك سريري
ودياري '
إذن كما نرى ذاكرة الشاعر حية طازجة تستحضر البلاد والناس والأحبة بتفاصيلها، ذاكرة مفعمة بالحنين، يفيد فيها الشاعر من تكثيف اللغة، وقدرته الكبيرة على تحميلها بالدلالات، ليعيد إلى ذاكرته عالما مسكونا بالحكايات بطعم الدهشة، ويملأ بياض النصوص بالكثير من المعاني التي يمكن أن يقرأها القارئ، ويعيد إنتاجها عن ذلك الوطن المتشظي، وتلك الذات المغتربة، دون أن يصدمنا الشاعر بلغة مباشرة وصوت عال، فروعة هذه القصائد ذلك الهسيس الذي يسربه لنا الشاعر.
الديوان: نبض الأقحوان
المؤلف: محمد غبريس
دار النشر: دار الحوار ـ سورية
عدد الصفحات 87 صفحة من القطع المتوسط.
روائية وناقدة مصرية 

تعليقات