التشكيلية اللبنانية ماجدة نصر الدين: الإمارات.. حاضنة للمبدعين والفنانين


تعود الفنانة ماجدة نصر الدين إلى الساحة التشكيلية بعد انقطاع دام لأكثر من عامين لظروف خاصة، حيث شاركت قبل أشهر قليلة في المعرض السنوي الثامن والعشرين لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وقدمت جدارية تحمل اسم «كانوا أطفالاً» وهي عبارة عن عمل أنجزته ماجدة في يوليو/تموز عام 2006 أثناء العدوان «الإسرائيلي» على لبنان، إضافة إلى ثمان لوحات صغيرة ترصد الوطن بشكل تجريدي ذي ألوان داكنة.
وتؤكد ماجدة تعقيباً على انقطاعها عن الساحة الفنية، أن الفنان يغيب عن الأضواء، وإنما الضوء لا يخبو في روحه، إذ يحاول أن يجدد ثقافته البصرية مع كل طلعة شمس، تتناثر من بين يديه الفرصة تلو الأخرى لأنه يؤمن أن الفنان فيه لا يكتمل إلا إذا مارس إنسانيته بشكل كامل تجاه من يحتاجه.
تضيف: عدت وبي شغف للألوان والمساحات البيضاء التي تتحدّاني وأتحدّاها.
هذا الشغف الكبير للألوان تفجّر في جداريتها الضخمة التي استوقفت جميع زوار المعرض لما تجسده من معان عظيمة وصور نابضة بالألوان المنتقاة من وحي المأساة والحروب، وحول هذه التجربة تقول ماجدة: هذه الجدارية التي عملت عليها كان نتيجة ما عشته وأنا هنا في الإمارات بعيدة آلاف الأميال عن وطني لبنان خلال الحرب الوحشية التي مورست ضدّه من قبل العدو الإسرائيلي. ولقد كان لهذه الحرب اللعينة أثر السكين التي تحّز في النفس والقلب. وكان لا بدّ من أن أترجم ما شعرت به من حنق وغضب وقهر.
تتابع ماجدة قائلة: اشتغلت على فكرة الظلم الذي لحق بالأطفال الذين استشهدوا وهم لا ذنب لهم. تساءلت لماذا تلقى الطفولة في بعض بقاع الأرض هذا المصير وما الذي فعلوه؟وهو المصير نفسه الذي لقيه الأطفال في أكثر من مكان وهو مصير موجع يؤجج مشاعر السخط والألم!!
أما الرسالة التي تريد ماجدة أن تقولها من خلال هذا العمل فهي أن تبيّن للعالم ماذا فعلت الحرب بأطفالنا؟ وأن تصرخ صرخة وجع ترنّ في آذان الّذين صُمّت آذانهم وكُمّت أفواههم.
إنّ المطّلع على تجارب ماجدة نصر الدين السابقة سيجد أنّ أعمالها الجديدة تأتي استكمالاً لهذه التجارب من حيث الأسلوب واللون والخامة والتكنيك، وتفسر ذلك بالقول: أجمل ما في الفن أن متعاطيه يملك الحرية الكاملة في التجريب والتنويع والطيران في سماءات التشكيل المختلفة، إلا أنّ هناك خطوطاً تراكمية تظهر بشكل جليّ وواضح في أعماله، لذا ستجد أن الأعمال لم تنطلق من الفراغ بل ممّا سبق وقدّمته. ولكن لا بد من الإشارة هنا إلى أنه يوجد اختلاف من حيث إنها تحفل بموضوع الشهداء الأطفال والرسالة الواضحة التي أحببت إيصالها.
لنتعرف أكثر إلى ماجدة توقفنا عند بداياتها الأولى، حيث تقول: منذ البدء وأنا أحاول أن أتعاطى مع الفن بمسؤولية كبيرة، لأنني أشعر أنه من واجب كل إنسان أن يقوم بهذا تجاه ما يفعل مهما كان اختصاصه.لقد تدرّجت تجربتي من التعبيرية المصوّرة إلى التعبيرية التجريدية، حيث كنت في البدء أستعين برسم الأشكال وأتوسمها للتعبير عن الأفكار التي تعتريني كإنسان يعاني القيود والغربة والانتظار وإلى ما هنالك من أفكار تعتري نفوسنا كبشر.. نوّعت بالخامات وتشكيلاتها، فعملت بالزيت لعدة سنوات وبعدها دخلت عالم «الأكريليك» وهو مادة العصر لأنه سريع الجفاف ويساعد المرء كي يعبر عن فكرته بشكل أسرع؛ بعدها ولكي أميّز تجربتي استعملت الورق لأؤسّس لوحتي وذلك بحثاً عن ملمس يعطي المُنجَز بعداً إضافياً ومختلفاً. ومع الوقت وجدت نفسي أستغني عن الورق لصالح اللون، واستلزمني ذلك تجارب كثيرة كي أستطيع أن أصل لما أصبو إليه في خامة لوحتي .
إنْ نظرت إلى لوحتي الآن - تتابع ماجدة كلامها - ستجدها للوهلة الأولى عبارة عن سطح أنيق متقن بلون نظيف بعيدة كل البعد عن العمق، ولكنْ إنْ أمعنت النظر والقراءة ستجد مئات الأشكال التي دُثِّر بعضها وبقي البعض ظاهراً، فالعمق يغلي وينبض بالأشكال المجرّدة.. لم يبق سوى الأثر! هناك بعد فلسفي في تجربتي الأخيرة إضافة إلى كل ما عملت عليه من ناحية التكوين البصري للوحة.
وتؤكد ماجدة أنها ترسم عالماً ينبض بالحياة ولكنها بقناعة تامة تعود لتجلله بغلالة من اللون تاركة بعض النوافذ التي تطل على نوافذ الروح، هي فلسفة تؤمن بها وتحاول قدر ما تستطيع أن تعبر عنها على طريقتها.
أما الآن فهي بصدد متابعة ما بدأت به ولكنها تحاول التطوير من حيث اللون والخامة والتعاطي، تنطلق مما وصلت إليه لتصل إلى ما تصبو إليه.
لكن كيف تنظر ماجدة إلى الحرية المتاحة في اللوحة التشكيلية؟ وكيف تستثمر هذه المساحة في التعبير عن مشاعرها وأحاسيسها؟
تقول ماجدة: الحرية هي أجمل ما في الإبداع، هي ذلك السحر الذي يمنحنا ذلك الإحساس بالانطلاق دون قيد أو شرط. وهي ضرورية في شتى المجالات، فلا يستطيع المرء منا أن يبدع إن كان مقيّداً تحديداً في أفكاره وخياله. لا فن دون حرية، ولا حياة دون فن. كلما كنا أحراراً بالتعاطي كلما زادنا ذلك إبداعاً وتألقاً.
من المعروف أن ماجدة تعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات، وقد أضاف هذا، الكثير إلى تجربتها الفنية، فتغيير الأمكنة يؤثر في رؤيتنا للأمور بشكل عام فكيف حين يتعلق بالفن والتجربة الفنية؟ لقد أتاح لماجدة وجودها في الإمارات التعرف إلى فنانين حلمت بلقائهم مذ كانت طفلة، كما أتاح لها أن تشارك في معارض محلية و دولية وتعايش تجارب من سبقوها عن قرب، كما أن نهضة الإمارات في هذا المجال ساعدها في الاطلاع على العديد من الأمور وفتح الكثير من الآفاق.
على صعيد آخر، لعبت طبيعة الإمارات دوراً هاماً في تكوين لوحتها، أقلّه على الصعيد البصري، البحر والصحراء وتلك المساحات اللامتناهية من الهدوء الذي يخبئ الوله بصمت وعنفوان..
وهنا سألناها عن واقع الحركة التشكيلية الإماراتية فأجابت: بالفعل لقد تطورت الحركة الفنية في الإمارات بشكل سريع وملحوظ، فالإمارات تشهد نهضة ثقافية رائعة يستطيع أن يراها بوضوح كل من يعيش على أرضها، لقد اتّسمت السنوات الأخيرة بالوعي الكبير لأهمية الفنون بجميع أشكالها ومدارسها، أكان تشكيلاً أم مسرحاً أم سينما.لقد أضحت الإمارات منذ سنوات قبلة للمبدعين من بقاع الأرض كافة، خصوصاً أولئك الّذين يبحثون عن بيئة جديدة لأعمالهم وإبداعاتهم.
في البدء كان بينالي الشارقة للفنون الذي فتح آفاقاً واسعة للفنانين المحليين للاطلاع على تجارب أقرانهم في العالم وتتالت المعارض في كل الإمارات. فجاء آرت دبي وآرت أبو ظبي اللّذان يجمعان تحت سقفيهما آلاف الأعمال المهمة من أصقاع الأرض كافة فضلاً عن عدد «الغاليريهات» والأروقة الفنية التي انتشرت بفعل هذه النهضة أيضاً.
وأخيرا سألتها: ماذا عن جماعة «الجمان» التي تأسست منذ ثلاث سنوات لماذا انقطعت أخبارها وقلت نشاطاتها؟
تقول ماجدة: جماعة الجمان توقف نشاطها لانشغال أعضائها بأنشطة مختلفة، فلم يعد ممكناً أن نجتمع في معرض معيّن في الوقت نفسه، وارتأينا توافقياً تعليق أنشطتها بشكل مؤقت على أمل أن نعاود التحرّك في وقت نراه مناسباً لنا جميعاً كأعضاء.


تعليقات