جنوب لبنان ..بوابة النهار


   
جنوب لبنان: محمد غبريس
هنا الجنوب.. هنا سمو الوطن وانحناءة السنابل.. هنا الجباه الساطعة والعيون المشرقة.. هنا القرى الدافئة والقلوب الطيبة.. هنا صدى تراتيل الأغصان الندية وموسيقى الأودية الخافتة.. هنا تتحول العصافير إلى زنابق، والفراشات إلى عرائس.. هنا الحياة أقوى من الرصاص..هنا الجنوب..
هو القرى الساجدة على كتف الجبال وفي الأودية يلفها الغمام الماطر.. هو الحقول الخضر، تتلألأ بالسنابل وبكروم العنب والتين والزيتون،وتتخضب بعرق الفلاحين وأطياب الفجر..
سلام عليك أيها الجنوب.. يا وطنا يذخر بالعشق والحنين والوئام.. سلام على أرضك المجبولة بالدم والمطر والحنطة.. سلام على بيوتك الوادعة بحضن الأشجار الباسقة..سلام على أبنائك المضحين الذين نذروا أنفسهم في سبيل الحق والحرية والعدالة، وأحاكوا بأهدابهم أكفان الورود العطرة..
الطفل في الجنوب رجل لا تهزه إلا الدمعة في أحداق أمه، ولا يعشق إلا العرق المتصبب من جبين أبيه.. أما النساء فهنّ قرنفلات يغتسلن بماء الغدران ويمامات يكتحلن بألوان قوس قزح.. للقصيدة هنا رائحة الخبز والبخور والياسمين.. أما الشهيد في الجنوب فهو وطن بلا حدود ورمز الأحلام والخلود..

أمطار الصباح

الساعة الثامنة صباحا، كانت السماء مكفهرة تغطيها الغيوم الرمادية، وتنذر بهطول الأمطار بأي لحظة.. وكان البرد شديدا في الخارج.. توجهت من قرية كفررمان الجنوبية ( سميت بهذا الاسم نسبة إلى كثرة شجر الرمان فيها).. وانطلقت على عجل، وفي داخلي اشتياق كبير لتلك القرى الحدودية، بينما كان صوت فيروز العذب ينبعث من مذياع السيارة.. مررت أولا بمدينة النبطية وهي حاضرة جبل عامل، مدينة تحترف الصمود منذ أزمنة.. وقد شهدت حروبا منذ عام 1195م حتى الآن.. وما زالت صامدة بصمود أهلها الذين يصرّون على التحدي والتصدي رغم الاعتداءات الاسرائيلية بدءا من العام 1974 مرورا باجتياح أذار 1978، واجتياح حزيران 1983 ، وحرب الأيام السبعة في تموز 1993، وحرب عناقيد الغضب في نيسان 1996، ومؤخرا حرب تموز 2006..
كانت النبطية حزينة جدا وشاردة كشرود السحب الصغيرة في الفضاء الواسع، لكنها أكثر صلابة واعتزازا وصمودا، فأحياؤها القديمة تحتفظ بكثير من الماضي الأليم وبكثير من الكبرياء والرفعة، أما شوارعها وأزقتها الضيقة فلم تخل من المارين أو البائعين الذين يتخذون من الأرصفة مكانا لبيع الملابس والعطور والآواني المنزلية والكتب..
بالنسبة إلى تسمية " النبطية " فتعود إلى اتجاهين كما يقال: الأول تاريخي يرده البعض إلى " الأنباط " الذين امتدّ نفوذهم من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول بعده ووصلواحتى نهر الأولي مرورا بدمشق وكان مركزهم " بترا " على خليج العقبة.. أما الثاني فهو لغوي " نبطت الماء " أي تفجرت وسالت، نظرا لتواجد العيون في النبطية..

..نحو جنوب نهر الليطاني

تركت المدينة تغرق في خيالي بأهلها وحاراتها وبساطتها وذهبت إلى المنطقة التي احتلتها إسرائيل عام 1978م واندحرت عنها عام 2000م،
فالطريق نحو القرى الحدودية في غاية الجمال والروعة حيث الجبال وخضرة الأشجار والبيوت القديمة ذات الأحجار التراثية.. وعلى طول هذه الطريق المتعرجة علقت صورا عديدة لشهداء الجنوب على أعمدة الكهرباء فضلا عن لافتات كتب عليها " بدمائكم انتصر لبنان.. شعب لبنان أقوى من العدوان..".
هناك عند جسر الخردلي الذي يربط ضفتي نهر الليطاني، والذي نسفته المقاتلات الحربية في حرب تموز 2006، كانت الخطوة الأولى نحو جنوب نهر الليطاني..عند أسفل الجبال المهيبة التي يتدفق من سفوحها الماء السلسال.. لا بد من لحظة تأمل وذهول في روعة المكان وجماله..
الوصول إلى جسر الخردلي كان عبر مدينة " النبطية " مرورا بقرية كفرتبنيت ( قرية تبنيت نسبة إلى أحد ملوك صور )، قرأت هناك لافتة كبيرة تعود إلى زمن التحرير الأول في العام 2000 كتب عليها " المنطقة المحررة.. ادخلوها بسلام آمنين"..
كلما تعمقت أكثر في الجنوب نحو الحدود مع الأراضي المحتلة تعرف لماذا إسرائيل قامت باحتلال المنطقة كما تعرف لما أصرّ الجنوبيون على المقاومة والتحدي والصمود..
بعد الوقوف لدقائق والتقاط الصور انطلقت صعودا على طريق جبلية طويلة وكثيرة التعرجات نحو بلدة الخيام التي تقع على تلة من تلال الجنوب مشرفة على مثلث الجليل الأعلى وهضبة الجولان وغور الأردن، مررت خلالها ببلدة مرجعيون الشهيرة ( سميت هكذا بسبب الينابيع والعيون)..

بلدة  الخيام

أوّل من يستقبلك في بلدة الخيام هو أحزانها وآلامها وأنينها الخافت، كانت كئيبة متشحة بالسواد كاتشاح الأفق بظلمة الليل، كانت الوجوه شاحبة مغطاة بالوجع والحزن، وكان صدى الموت يجوب الأزقة الخالية.. اغتيلت الأحلام في بلدة الخيام كما اغتيلت القصيدة، وتمزقت ضحكات الأطفال كما تمزقت البيوت.. في هذه اللحظات القاسية تحضرني  أجواء الزيارة التي قمت بها إلى بلدة الخيام عام 2001 بعد التحرير بسنة واحدة، وتعرفت يومذاك إلى أشهر معتقل احتجزت فيه إسرائيل وعذبت نحو ألف لبناني وفلسطيني.. هو " معتقل الخيام " وما أدراك ما معتقل الخيام الذي كان قبل الاحتلال الإسرائيلي ثكنة بناها الفرنسيون.. وهنا لا بدّ أن نشير إلى أن عددا من المثقفين والفنانين العالميين قاموا بعد سنتين من التحرير بتحويل المعتقل  إلى متحف فني يضم أعمالاً فنية تعكس الحالات التي عاشها الجنوبيون والمعتقلون على مدى سنوات الاحتلال.. ولكن للأسف الشديد شنت إسرائيل تسع غارات على المعتقل في إطار العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز الماضي فحولته إلى ركام من الحجارة المطحونة بما في ذلك أعمال الفنانين العالميين والعرب واللبنانيين، لتمحو إسرائيل بذلك بصمات جرائمها وظلمها وحقدها وما مارسته من أبشع حالات التعذيب والقتل الإنساني ..
 من بلدة الخيام الجريحة باتجاه بلدة كفركلا سلكت طريق سهل الخيام وهنا حضرتني أبيات شعرية للشاعر الجنوبي محمد علي شمس الدين مهداة إلى الجنوب يقول فيها:
يمشي على الموت تياها كأن به       من الألوهة شيئا ليـس يخفيــهِ
يمشــي الهوينــا وقتلاه تمجّــده        كأنما كلّ مــا يرديــه يحييـــهِ
يعلــو على الغيم آنـا ثم آونــــة        يدنو فيصبح أدنى من معانيهِ
أعطيته كل ما أوتيت من نعـم وما ندمت، فألقاني على التيهِ

بلدة العروس

وصلت إلى بلدة كفركلا  " حيث بوابة فاطمة " فكانت الحياة بطيئة وصامتة، فيها من الحذر والترقب ما يشبه انتظار العاصفة، لكن هذا لم يمنع أهلها من الذهاب إلى كروم الزيتون حيث موسم القطف وإنتاج الزيت الفاخر.. كفركلا بلدة جنوبية ملاصقة للشريط الشائك الذي يفصلها عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعتبر منذ القدم بوابة فلسطين وبوابة الجليل.. وكلمة " كفركلا " كلمة سريانية تنقسم إلى كلمتين، " كفر" تعني القرية و " كلا " تعني العروس لذلك سميت بلدة العروس..هذه البلدة تقع في الجنوب الشرقي لمحافظة الجنوب، تتربع على سفح جبل، بيوتها منتشرة بين كروم العنب والتين و الزيتون..
في كفركلا كان الجوع قد داهمني، فلا بدّ من التوقف للحظات عند أحد المحال لشراء (منقوشة )زعتر وهي خبز لبناني بالزعتر، وللإشارة فقط المنقوشة في الجنوب مشهورة جدا وطعمها لذيد، ويعود ذلك إلى مصدر الزعتر والزيت المحليين..أما الدهشة فكانت داخل المحال حيث تقف امرأة في الخمسين من العمر أمام فرن ذي حرارة عالية وتقوم بخبز المناقيش، وهنا قلت لها: تجري العادة أن عمل الأفران للرجل فقط.. فأجابتني بابتسامة رقيقة: " حرام زوجي عم يقطف زيتون.."
ما أعظم هذه المرأة الجنوبية، على الرغم من التعب المخبأ وراء ابتسامتها لم تتوان للحظة أن تشاطر زوجها أعباء الحياة الثقيلة في الجنوب..

بوابة فاطمة

بعد ذلك توقفت لدقائق عند بوابة فاطمة التي أصبحت من الأماكن السياحية في لبنان بعد التحرير.. هنا كان الشعور مختلف، وأنا أقف على بعد أمتار قليلة أمام مغتصب الأرض وقاتل الأطفال وهو مختبىء خلف المتراس يهاب أن يخرج من خندقه وخوفه.. بوابة فاطمة كانت بالأساس وقبل وجود الكيان الاسرائيلي المعبر بين لبنان وفلسطين، وعندما جاء الاحتلال بدأ الشباب المناضلون يقومون بعمليات عسكرية..وكان يساعدهم بعض الفتيات.. وفي إحدى العمليات جاءت إحدى النساء ومعها ابنتها الصغيرة فاطمة.. وعندما وصلت إلى المنطقة وقعت معركة عنيفة وخلال المعركة فقدت المرأة ابنتها التي لا يتجاوز عمرها السنتين، وبدأت تبحث عنها وسط الرصاص وتصرخ: فاطمة.. فاطمة.. إلى أن أصيبت ولم تهتد إلى فاطمة..
زيارة القرى الجنوبية تحتاج إلى أسابيع كثيرة، كل شيء فيها يدعو إلى التوقف والتأمل والدهشة، فأسماء البلدات لها معجمها التاريخي ، وكذلك الحارات والأزقة والساحات لها حنينها ودفئها وبساطتها وجمالها.. كما كل قرية لها جذورها الممتدة عميقا في الماضي، ولها ذاكرة معبأة بالذكريات والحكايا والقصص الرائعة..  

قرية العطر

أكملت الطريق نحو بلدة " عيترون " مرورا بقرى " العديسة، رب الثلاثين، مركبا، حولا، ميس الجبل، محيبب، بليدا، النبي يوشع"..فإذا بها تقوم للحياة من جديد، وتلملم بكاءها المكدس فوق الأجفان، زفّت شهداءها في أجمل الأعراس وعادت تنفض الركام عما تبقى من منازلها وديارها.. هي قرية العطر والرائحة الجميلة، على الرغم من رائحة الموت المنتشرة في كل مكان..
ما يجذبك في الجنوب هم أهله الطيبون الصادقون فضلا عن الطبيعة الخلابة التي تبلسم الجراح وتطفىء جذوة الأحزان، فلم يهن الجنوبيون طيلة سنوات الاحتلال والقتل والتشريد والاعتقال، كانوا السباقين إلى حماية الوطن والدفاع عنه وبذل الدماء من أجل قيامه واستمراره..

عيون الماء

بالقرب من قرية " عيترون " تقع " عيناثا " التي تطل على مدينة بنت جبيل جنوبا وهي لا تختلف كثيرا عن " عيترون "، إذ يجمعهما العطر والماء والمطر.. كانت تستعيد وجهها الصبوح من ألق الفجر، وتحيّك معطفا يقي جسدها من برد الشتاء القارس.. كانت منشغلة بقطاف الزيتون بين البيوت المهدمة وبكتابة قصيدة تفرغ في طياتها أوجاعها ودموعها..تعدّ هذه القرية منبع العلماء والشعراء الذين حفل بهم تاريخها العريق، وأصل تسمية عيناثا إن أحد الأمراء ويدعى آتا أصيبت عينه أثناء معركة شارك فيها على أرض البلدة فسمي المكان نسبة إلى عين آتا ( عين آتا ) ثم أدغمت اللفظة وأصبحت عيناثا..

عاصمة التحرير والمقاومة
هنا أميرة الشريط، وعاصمة التحرير والمقاومة، هنا الشمس لها بيت والقمر له كروم وعرائش، هنا مدينة بنت جبيل الشهيرة..
سلام عليك يا أميرة القرى الدافئة، وأنت تطبعين على خد الشمس قبلاتك الملونة كالعصافير، سلام عليك يا جارة القمر البهي وأنت تسرحين شعرك الليلي بأناملك النحيلة كل مساء، سلام عليك يا ابنة الجنوب الأبية وأنت تمرغين جبينك بالمطر والتراب.. سلام عليك يا بنت جبيل وعلى بيوتك العتيقة المجبولة برائحة الأجداد والذكريات، وعلى روابيك المملوءة بالقمح والتبغ وكروم العنب والزيتون.. سلام على أهلك المعطائين المضحين بلا حدود .. سلام عليك..
هكذا يلقي الصباح أجمل التحايا على المدينة التي لا يبارح خديها التورد ولا ينطفىء في قلبها سراج الأمل والحلم، إذ إنها سطرت أعظم الملاحم البطولية.. فشبابها تلقوا المدافع بصدورهم، واقتحموا جدار الموت في سبيل حياة الوطن..
بنت جبيل التي زرتها قبل العدوان الغاشم الأخير بأسبوعين، وشربت من ينابيعها العذبة وتنشقت شذى عبيرها، كانت أميرة ترافقها العصافير الملونة والأنجم الساطعة.. وجدتها اليوم منكوبة كامرأة  فقدت فلذة كبدها، واتشحت بالسواد والأحزان..
لا يوجد حي أو حارة في بنت جبيل إلا واتكأ على جرحه المبتل بالدمع والملح، ولا يوجد حقل إلا واغتيلت فيه القبرات، ولا يوجد بيت أو شارع إلا ومرّ به الموت..

قرية مارون الراس

غرغر الدمع في عينيّ وأنا أمام هول هذا الدمار الهائل، فحملت حزني على ورقي وعضضت بالقلم على الجرح واتجهت نحو قرية " مارون الراس" التي أعلت كل رأس، وداست كلّ محتل، هي شامخة أبدا، عصية على الاستسلام  والهزيمة..   
" مارون الراس " قرية صغيرة في إصبع الجليل في قضاء بنت جبيل ، وهي جغرافيا أعلى قمة في الجنوب تقارب الألف متر، تشرف على الأراضي الفلسطينية المحتلة..يذكر أن " مارون الراس " كانت معظم منازلها مدمرة منذ احتلالها في العام 1978، ثم أعيد بناؤها بعد التحرير عام 2000م..
وجدتها وحيدة هناك في أعلى التلة، مكسوة بالسحب الماطرة، تبحث عن نافذة للشمس خلف أكوام الحجارة المطحونة، كانت بيوتها المدمرة تهمس في أذني نصف كلمات متكسرة.. هنا بقايا أطلال كانت تذوب كالشمع في ذاكرة الأرض.. هناك الحجارة المتناثرة على الطرقات تومىء إليّ وكأنها تريد أن تقول شيئا.. بين هنا وهناك رائحة الصمت تتصاعد دخانا، ورائحة الأمل تنبثق من تحت الأنقاض..

"عيتا الشعب" .. عيون الوطن

الساعة تشير إلى الخامسة عصرا، بدأ الغروب يلوح في الأفق، حينها بلغني التعب والحزن العميق حيث كنت متجها إلى قرية " عيتا الشعب " التي حلّ بها ما حلّ في قرية " مارون الراس"..
تقع البلدة في القطاع الغربي من المنطقة التي كانت محتلة وتبعد عن بنت جبيل نحو 15 كلم .. وتنسب – كما يقال -  إلى ملك من ملوك الرومان الذي اتخذ البلدة مقرا لإقامته وملكه..
كيفما التفت في هذه القرية الدامية لم أر إلا الدمار الهائل والأحجار المتناثرة في كل مكان، حاولت أن استصرخها وهي المعبأة بالذكريات .. هنا تحدثت إلى طلل بيت عمره أكثرمن عمر الاحتلال، هناك وجدت بقايا من ألعاب الأطفال وضحكاتهم المنثورة في الأزقة رسوما على الجدران المتبقية.. هنا السكينة  تملأ المكان ، ورائحة البارود تنبثق من تحت الأرض مثل ما ينبثق الدخان من تحت الرماد..لكن دماء الأبطال التي تسربت إلى الأعماق وامتزجت بالتراب والتبغ ( معظم قرى الجنوب مشهورة بزراعة التبغ، وتعتبر شتلتها رمز الصمود والتحرير)..كانت تسقي الحقول والبساتين والنفوس العطشى..كانت الأرض الموعودة بالمطر تتأهب  لتخرج ما في بطنها من جذور ممتدة إلى أعماق التاريخ..كانت جفون الفتية تحمي عيون الوطن..

أعراس قانا الجليل

ختام الجولة على بعض القرى الجنوبية كان في قانا الجليل، حيث أول معجزات السيد المسيح من جهة ومسلسل المجازر الإسرائيلية من جهة ثانية..
وفي طريقي إلى قرية قانا حيث مررت بقرى عدة منها " القوزح، بيت ليف، ياطر، كفرا، صديقين " شعرت بقلبي يخرج من مكانه حين استرجعت في ذاكرتي شريطا من الصور والمشاهد الأليمة  لضحايا المجزرتين في قانا.. لكن الموقف الأصعب عندما وصلت إلى المكان الذي اغتالت فيه إسرائيل زهر الطفولة وألق النساء.. ولم يسعفني الكلام للتعبير عما يعتمل في نفسي فتذكرت قصيدة الشاعر الراحل نزار قباني التي يقول فيها:
 دخلوا قانا..
كأفواج ذئاب جائعة
يشعلون النار في بيت المسيح.
و يدوسون على ثوب الحسين..
و على أرض الجنوب الغالية..
قصفوا الحنطة، و الزيتون،
و التبغ،
و أصوات البلابل..
قصفوا قدموس في مركبه..
قصفوا البحر..و أسراب النوارس..
قصفوا حتى المشافي..و النساء المرضعات..
و تلاميذ المدارس.
قصفوا سحر الجنوبيات
و اغتالوا بساتين العيون العسلية!..
في عرس قانا الجليل حوّل المسيح الماء إلى خمر.. وفي عرس الشهادة حولت إسرائيل الماء إلى دم والأطفال إلى شلاء ذابت في التراب فنبتت قمحا وملائكة.. سجل أيها الزمن الآتي كلمات أحرفها أطفال ونساء سقوا بدمائهم تراب الوطن المنكوب، وعلقوا على أفق الجنوب قلوبهم أنجما باهرة..هنا مر التاريخ وبيده كمشة ماء تساقطت وردا على الأضرحة، هنا المجزرة الأولى ( 18 نيسان  1996) التي تدثرت بعباءة السلام، وتوضأت بأدمع الأمهات، هنا الثانية ( 30 تموز 2006 ).. فسجل أيها الزمن آخر الأحلام المرفرفة فوق أهداب الأطفال وآخر الرصاصات التي استقرت بين القلب والوطن..وأول نبض تسلل إلى أعماق الأرض .. هنا نبت القلب وزهّر الدم..
هكذا بدا الجنوب بعد مضي ثلاثة أشهر على حرب تموز، بيوت مدمرة ونفوس عامرة، أجنحة متكسرة وقلوب متينة، أشجار منحنية ورؤوس مرفوعة وشامخة، وجوه مشوهة وضمائر نقية.. مازال في الجنوب سهول خضراء يانعة، تتمخطر في مساكبها القبرات والفراشات والبلابل ، وتلال زاهية مكسوة بكروم اللوز والعنب والزيتون والصنوبر.. مازال في الجنوب جلسات عامرة بالفرح والزجل والعتابا على سطيحات البيوت..مازال قطّاف التين والعنب يذهبون إلى كرومهم وعلى وجوههم إبتسامة الفجر الصافية..والرعاة مع قطعانهم يسيرون في الأودية وينشدون أغاني الحياة..
مسك الختام ما كتبه نزار قباني للجنوب:
 يا سيّدي الجنوبْ:
في مُدُن الملح التي

يسكنُها الطاعونُ والغُبَارْ

في مُدُن الموت التي
تخافُ أن تزورَها الأمطارْ
لم يبقَ إلا أنتْ..
تزرعُ في حياتنا النخيلَ، والأعنابَ، والأقمارْ
لم يبقَ إلا أنتَ.. إلا أنتَ.. إلا أنتْ
فافتَحْ لنا بوَّابَةَ النَهَارْ...

تعليقات

إرسال تعليق